الانتخابات التشريعية بالمغرب 2026: تحولات الخريطة السياسية ورهانات المرحلة الجديدة
شكلت
الانتخابات التشريعية المغربية التي جرت يوم 23 شتنبر 2026 محطة سياسية بارزة في
مسار المؤسسات المنتخبة بالمغرب، ليس فقط لأنها أفرزت تركيبة جديدة لمجلس النواب،
وإنما أيضاً لأنها جرت في سياق وطني يتسم بتزايد المطالب الاجتماعية والاقتصادية،
وتسارع الاستعدادات للاستحقاقات الكبرى المرتبطة بأفق 2030، وفي مقدمتها تنظيم كأس
العالم، إلى جانب استمرار رهانات الدولة الاجتماعية والإصلاح الاقتصادي وتعزيز
الاستثمار والبنيات التحتية.
وقد تنافس
خلال هذه الانتخابات عدد كبير من الأحزاب والقوائم على 395 مقعداً بمجلس النواب،
وفق نظام الاقتراع باللائحة والتمثيل النسبي، فيما بلغ عدد المسجلين في اللوائح
الانتخابية العامة نحو 15.8 مليون ناخب وناخبة.
غير أن قراءة
نتائج انتخابات 2026 لا ينبغي أن تقتصر على ترتيب الأحزاب وعدد المقاعد التي حصلت
عليها، بل تقتضي النظر إليها باعتبارها تعبيراً عن مجموعة من التحولات في علاقة
المجتمع بالسياسة، وفي موازين القوى بين الأحزاب، وفي طبيعة المرحلة الحكومية
المقبلة.
أولاً: انتخابات في سياق سياسي واجتماعي مختلف
جرت انتخابات
2026 في ظل سياق يختلف عن الانتخابات التشريعية لسنة 2021. فقد شهدت السنوات الأخيرة
تصاعداً في أهمية قضايا القدرة الشرائية، والتشغيل، والصحة، والتعليم، والحماية
الاجتماعية، والسكن، إضافة إلى قضايا العدالة المجالية وتقليص الفوارق الاجتماعية.
وفي الوقت
نفسه، دخل المغرب مرحلة تتقاطع فيها الاستحقاقات الداخلية مع مشاريع وطنية كبرى،
خصوصاً الاستعداد لتنظيم كأس العالم 2030، وتطوير البنيات التحتية، وتسريع
الاستثمارات، وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني.
وبالتالي،
فإن الحكومة المنبثقة عن انتخابات 2026 ستكون مطالبة بالعمل في بيئة سياسية يكون
فيها هامش الخطأ محدوداً، لأن جزءاً كبيراً من السياسات العمومية المقبلة سيرتبط
بملفات ذات أثر مباشر على الحياة اليومية للمواطنين، وفي الوقت ذاته بمشاريع
استراتيجية بعيدة المدى.
ثانياً: نتائج الانتخابات وإعادة ترتيب موازين القوى
أفرزت
الانتخابات التشريعية لسنة 2026 تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بحصوله على 97 مقعداً من أصل 395، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعداً،
ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، وحزب العدالة والتنمية بـ54 مقعداً.
وجاءت بقية
النتائج على النحو الآتي: الحركة الشعبية 29 مقعداً، الاتحاد الاشتراكي للقوات
الشعبية 26، التقدم والاشتراكية 19، الاتحاد الدستوري 17، الحركة الديمقراطية
والاجتماعية 8، وتحالف اليسار 8، فيما حصلت أحزاب أخرى على مقاعد محدودة. وقد أكدت
وزارة الداخلية أن النتائج النهائية طابقت النتائج العامة المؤقتة التي سبق
الإعلان عنها.
وتكشف هذه
النتائج عن استمرار تعدد مكونات الخريطة البرلمانية، إذ لم يتمكن أي حزب منفرد من
الاقتراب من الأغلبية المطلقة التي تتطلب 198 مقعداً.
وهذا المعطى
يجعل تشكيل الحكومة قائماً، بالضرورة، على التفاوض بين عدة قوى سياسية، ويعيد إلى
الواجهة مسألة التحالفات الحكومية ومدى قدرتها على تحقيق الانسجام بين مكوناتها.
ثالثاً: تصدر الأصالة والمعاصرة ودلالة التحول السياسي
يكتسي تصدر
حزب الأصالة والمعاصرة أهمية خاصة في قراءة نتائج 2026، إذ أصبح الحزب القوة
البرلمانية الأولى بـ97 مقعداً.
لكن تصدر
الانتخابات لا يعني، في النظام السياسي المغربي، إمكانية تشكيل الحكومة بصورة
منفردة. فطبيعة النظام الانتخابي وتعدد الأحزاب يجعلان الأغلبية الحكومية نتاجاً
للتفاوض وبناء التحالفات.
وقد اتخذ هذا
المسار بعد الانتخابات منحى واضحاً عندما عين الملك محمد السادس، يوم 29 شتنبر
2026، فاطمة الزهراء المنصوري، المنسقة في القيادة الجماعية لحزب الأصالة
والمعاصرة، رئيسة للحكومة وكلفها بتشكيل الحكومة الجديدة.
ويمثل هذا
التطور أحد أبرز مخرجات انتخابات 2026، لأنه ينقل حزب الأصالة والمعاصرة من موقع
أساسي داخل المشهد الحكومي والبرلماني إلى موقع قيادة الحكومة، ويضع الحزب أمام
مسؤولية مباشرة في تدبير المرحلة المقبلة.
رابعاً: عودة حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة البرلمانية
من أبرز
معطيات الانتخابات كذلك حصول حزب العدالة والتنمية على 54 مقعداً، ليحتل المرتبة
الرابعة.
وتكتسب هذه
النتيجة أهمية سياسية بالنظر إلى أن الحزب كان قد حصل في انتخابات 2021 على 13
مقعداً فقط، وفق المعطيات التي تقارن بها التغطيات الدولية نتائج الاستحقاقين.
وبالتالي فإن حصوله على 54 مقعداً في 2026 يعكس استعادة الحزب جزءاً مهماً من
حضوره البرلماني.
ولا يعني ذلك
بالضرورة عودة المشهد السياسي إلى ما كان عليه قبل 2021؛ فالحزب أصبح جزءاً من
برلمان أكثر تعدداً، كما أن ترتيبه الرابع يجعله قوة برلمانية مهمة، ولكن ليس
القوة الأولى.
وتكمن أهمية
هذا التحول في أن المشهد السياسي المغربي بات أكثر تعددية من حيث توزيع المقاعد،
الأمر الذي قد يرفع من أهمية المعارضة البرلمانية ومن قدرتها على التأثير في
النقاش العمومي والتشريعي.
خامساً: نسبة المشاركة... السؤال الأكثر دلالة
ربما كان أحد
أهم المؤشرات التي تستحق التحليل هو نسبة المشاركة الانتخابية.
فقد بلغت
المشاركة الوطنية في انتخابات 2026 حوالي 38.02%، مقارنة بـ50%
في انتخابات 2021، بحسب المعطيات الرسمية.
ولا يمكن اختزال
هذا التراجع في تفسير واحد. فهو قد يرتبط بمجموعة من العوامل، منها مستوى الثقة في
المؤسسات الحزبية، وطبيعة الحملات الانتخابية، ومدى شعور المواطنين بأن الانتخابات
تؤثر بصورة مباشرة في حياتهم اليومية، إضافة إلى التحولات الاجتماعية والديمغرافية.
كما ينبغي التمييز
بين المشاركة الانتخابية وبين الموقف من الديمقراطية أو المؤسسات؛ فعدم التصويت لا
يعني بالضرورة موقفاً سياسياً واحداً، وإنما يمكن أن تكون وراءه دوافع متعددة.
ومع ذلك، فإن
انخفاض المشاركة يضع الأحزاب والحكومة الجديدة أمام سؤال جوهري: كيف يمكن إعادة بناء علاقة أكثر قوة واستمرارية بين المواطن والمؤسسات
المنتخبة؟
سادساً: الشباب في قلب المعادلة السياسية
تزداد أهمية
مسألة المشاركة عندما ننظر إلى البنية العمرية للهيئة الناخبة. فقد شكل المسجلون
الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و24 سنة حوالي 4% من مجموع المسجلين، فيما بلغت نسبة
الفئة العمرية 25–34 سنة حوالي 15%. وفي المقابل، يمثل الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم
60 سنة فأكثر أكثر من 29% من المسجلين.
وتطرح هذه
المعطيات تحدياً مزدوجاً أمام الأحزاب: فمن جهة، تحتاج إلى استقطاب الشباب
وإشراكهم في الحياة السياسية؛ ومن جهة أخرى، تحتاج إلى تقديم سياسات عامة ذات صلة
مباشرة بتطلعات هذه الفئة، وخاصة في مجالات التشغيل والتعليم والسكن وريادة
الأعمال.
ومن ثم، فإن
أحد معايير نجاح المرحلة المقبلة لن يكون فقط قدرة الحكومة على تنفيذ برامجها، بل
كذلك قدرتها على جعل نتائج السياسات العمومية محسوسة لدى الفئات التي تشعر بأن
السياسة لا تقدم لها إجابات كافية عن مشكلاتها اليومية.
سابعاً: المرأة والحضور السياسي
عرفت
انتخابات 2026 تعديلات قانونية وتنظيمية مهمة في ما يتعلق بالترشيحات النسائية.
وقد بلغت الترشيحات النسوية حوالي 2658 ترشيحاً، بحسب المعطيات الرسمية، فيما خصصت
الدوائر الانتخابية الجهوية للترشيحات النسائية.
ولا تتوقف
أهمية هذا المعطى عند عدد المرشحات، وإنما تمتد إلى السؤال الأوسع المرتبط
بتمثيلية النساء داخل المؤسسات المنتخبة وقدرتهن على المشاركة في صناعة القرار
السياسي.
ويكتسب هذا
الموضوع بعداً إضافياً مع تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة عقب
الانتخابات، وهو تطور سياسي ومؤسساتي بارز في تاريخ الحكومات المغربية.
ثامناً: النظام الانتخابي وتأثيره في النتائج
تجرى
انتخابات مجلس النواب المغربي وفق الاقتراع العام المباشر باللائحة والتمثيل
النسبي، مع توزيع المقاعد وفق قاعدة أكبر البقايا. ويتكون المجلس من 395 مقعداً،
منها 305 مقاعد على مستوى الدوائر المحلية و90
مقعداً على مستوى الدوائر الجهوية.
ويؤثر هذا
النظام بصورة مباشرة في طبيعة الخريطة البرلمانية، إذ يسمح بتمثيل عدد كبير من
الأحزاب، لكنه في المقابل يجعل الوصول إلى أغلبية برلمانية منفردة أمراً صعباً.
ومن هنا، فإن
الانتخابات المغربية لا تنتج عادةً علاقة بسيطة بين الحزب الأول والحكومة؛ بل إن
تشكيل الحكومة يمثل مرحلة سياسية لاحقة تتطلب بناء ائتلافات قادرة على توفير
الأغلبية البرلمانية اللازمة للعمل الحكومي.
تاسعاً: ما الذي ينتظر الحكومة الجديدة؟
النتائج
الانتخابية لا تمثل نهاية المسار، بل بداية مرحلة سياسية جديدة.
وتواجه
الحكومة الجديدة مجموعة من الملفات الثقيلة، أبرزها:
- مواصلة تنزيل ورش الحماية الاجتماعية.
- تحسين جودة الخدمات العمومية، خصوصاً الصحة
والتعليم.
- خلق فرص الشغل والحد من البطالة، وخاصة بين الشباب.
- مواجهة الضغوط المرتبطة بالقدرة الشرائية.
- تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية.
- مواصلة مشاريع البنية التحتية والاستثمار.
- الاستعداد للاستحقاقات المرتبطة بكأس العالم 2030.
- مواصلة تنفيذ المشاريع الاقتصادية والاستراتيجية
الكبرى.
- تعزيز ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة.
وتفرض هذه
الملفات على الحكومة المقبلة الجمع بين الاستمرارية والإصلاح؛ أي الحفاظ على
المشاريع الاستراتيجية القائمة، مع الاستجابة في الوقت نفسه للمطالب الاجتماعية
المتزايدة.
عاشراً: الإعلام والفضاء الرقمي... انتخابات في زمن الأخبار الزائفة والذكاء
الاصطناعي
أصبحت
الانتخابات الحديثة تجري في بيئة إعلامية مختلفة جذرياً عن السابق، حيث لم تعد
الحملة الانتخابية محصورة في التجمعات والملصقات ووسائل الإعلام التقليدية.
وفي هذا
السياق، وضعت الهيئة العليا للاتصال السمعي البصري قواعد خاصة بالفترة الانتخابية،
شملت التعددية والإنصاف والحياد، كما تضمنت مقتضيات مرتبطة بمكافحة الأخبار
الزائفة والمحتويات الانتخابية المضللة التي يمكن إنتاجها باستخدام الذكاء
الاصطناعي.
وتكشف هذه التطورات
عن انتقال النقاش الانتخابي المغربي إلى مرحلة جديدة، أصبح فيها تنظيم المعلومة
الانتخابية جزءاً أساسياً من حماية النقاش الديمقراطي.
خاتمة: انتخابات تعيد تشكيل المشهد ولا تنهي أسئلته
تكشف
انتخابات مجلس النواب لسنة 2026 عن مشهد سياسي أعيد فيه توزيع موازين القوى بين
الأحزاب، مع تصدر الأصالة والمعاصرة، واحتلال التجمع الوطني للأحرار والاستقلال
مواقع متقدمة، وعودة العدالة والتنمية بقوة إلى المؤسسة التشريعية.
لكن الأرقام
الانتخابية ليست وحدها التي تستحق القراءة. فالتحدي الأكبر يتمثل في انخفاض نسبة
المشاركة، وفي قدرة المؤسسات المنتخبة على استعادة ثقة المواطنين، خصوصاً الشباب.
كما أن تعيين
فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة بعد تصدر حزبها الانتخابات يفتح مرحلة جديدة
في الحياة السياسية المغربية، ستختبر خلالها قدرة الحكومة على تحويل البرامج
والوعود الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للقياس.
وعليه، فإن
أهمية انتخابات 2026 لا تكمن فقط في معرفة الحزب الذي حصل على العدد الأكبر من
المقاعد، وإنما في السؤال الأوسع: هل تستطيع
الخريطة السياسية الجديدة إنتاج حكومة أكثر قدرة على الاستجابة للتحديات
الاجتماعية والاقتصادية، وفي الوقت نفسه إعادة بناء علاقة أكثر ثقة بين المواطن
والمؤسسة السياسية؟