خطاب الملك محمد السادس أمام البرلمان في 9 أكتوبر 2026: من طموح الدولة الصاعدة إلى رهانات العدالة المجالية والسيادة الاستراتيجية وتجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات

 

خطاب الملك محمد السادس أمام البرلمان في 9 أكتوبر 2026: من طموح الدولة الصاعدة إلى رهانات العدالة المجالية والسيادة الاستراتيجية وتجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات


مقدمة: خطاب افتتاحي يرسم معالم مرحلة جديدة في مسار المغرب

يشكّل الخطاب الذي وجّهه الملك محمد السادس إلى أعضاء مجلسي البرلمان، يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026، بمناسبة افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية الثانية عشرة، محطة سياسية ومؤسساتية مهمة في مسار تطور النموذج التنموي المغربي. فالخطاب لم يقتصر على استعراض المكاسب التي حققتها المملكة خلال السنوات الماضية، بل وضع جملة من الرهانات أمام المؤسسة التشريعية والحكومة والفاعلين الاقتصاديين والإدارات الترابية، في سياق دولي يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية، وتزايد التحديات المرتبطة بالأمن المائي والطاقي والغذائي، وتنامي الحاجة إلى خلق فرص الشغل وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية.

وتكمن أهمية هذا الخطاب في كونه يربط بين مستويين متكاملين من العمل العمومي: مستوى استراتيجي يتصل بمكانة المغرب في محيطه الإقليمي والدولي، وقدرته على تطوير اقتصاده وتعزيز سيادته في القطاعات الحيوية؛ ومستوى داخلي يرتبط بمدى انعكاس هذه الدينامية على الحياة اليومية للمواطنين، من خلال تحسين الخدمات العمومية، وتوسيع فرص الاندماج الاقتصادي، وتقليص الفوارق بين الجهات والأقاليم.

ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة الخطاب باعتباره دعوة إلى الانتقال من منطق تراكم المشاريع والإنجازات إلى منطق قياس النتائج والأثر الاجتماعي والمجالي. فالقيمة الحقيقية للتنمية لا تتحدد فقط بحجم الاستثمارات أو عدد الأوراش المنجزة، بل كذلك بقدرتها على تحسين مستوى العيش، وتوفير فرص الشغل، وتعزيز الثقة في المؤسسات، وضمان استفادة مختلف الفئات الاجتماعية والمجالات الترابية من ثمار النمو.

وقد أكد الخطاب هذا التوجه حين ربط بين طموح المغرب باعتباره قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة وبين ضرورة تحقيق التوازن والانسجام بين النمو الاقتصادي وتعزيز العدالة الاجتماعية والمجالية. كما دعا إلى إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، وإعطاء الأولوية لقضايا الشباب، وتسريع تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، وإعادة النظر في نموذج التعاون في مجال الهجرة، مع التشديد على المسؤولية السياسية والأخلاقية للبرلمانيين.

وتأسيساً على هذه المحاور، فإن القراءة التحليلية للخطاب تقتضي تجاوز الاكتفاء بتلخيص مضامينه، نحو استجلاء دلالاته السياسية والاقتصادية والاجتماعية، والبحث في طبيعة التحولات التي يستدعيها، والشروط المؤسساتية والعملية اللازمة لترجمة التوجيهات إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والتقييم.

أولاً: السياق السياسي والمؤسساتي للخطاب وأهمية الولاية التشريعية الجديدة

جاء الخطاب في بداية ولاية تشريعية جديدة، وهو ما يمنحه بعداً يتجاوز المناسبة الدستورية لافتتاح البرلمان. فالمرحلة الجديدة تتيح، من الناحية السياسية والمؤسساتية، فرصة لتجديد العمل التشريعي والرقابي، وتحديد الأولويات التي ينبغي أن تحكم العلاقة بين البرلمان والحكومة، وبين المؤسسات المنتخبة والمواطنين.

وقد وصف الملك المرحلة بأنها ظرفية استثنائية، حافلة بفرص قد لا تتكرر لمواصلة الإنجازات في مختلف المجالات. وتحمل هذه الإشارة دلالة استراتيجية، مفادها أن الفرص التنموية ليست معطى دائماً أو مضموناً، بل تتطلب استعداداً مؤسساتياً وقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب، والاستفادة من التحولات الاقتصادية والتكنولوجية التي يشهدها العالم.

فالمغرب يوجد أمام تحدي التوفيق بين المحافظة على الاستقرار السياسي والمؤسساتي، وتعزيز تنافسيته الاقتصادية، والاستجابة للمطالب الاجتماعية المتزايدة. وهذه المعادلة لا يمكن تحقيقها من خلال المشاريع الكبرى وحدها، مهما بلغت أهميتها، بل تحتاج إلى مؤسسات قادرة على التشريع الفعال، ومراقبة التنفيذ، ومساءلة المسؤولين، وتصحيح الاختلالات.

1. البرلمان بين الشرعية الانتخابية والمسؤولية العمومية

من أبرز الرسائل السياسية في الخطاب تذكير البرلمانيين بأن الانتداب النيابي ليس مجرد موقع انتخابي أو امتياز سياسي، بل هو التزام سياسي وتعاقد أخلاقي يربط ممثلي الأمة بالمواطنين.

ويحمل هذا التصور معنى عميقاً؛ إذ يجعل العلاقة بين الناخب والمنتخب علاقة مسؤولية مستمرة، لا تنتهي بانتهاء العملية الانتخابية. فالناخب يمنح ثقته لممثله على أساس انتظارات تتصل بالتشريع، والدفاع عن المصالح المحلية والوطنية، ومراقبة أداء الحكومة، ونقل انشغالات المواطنين إلى المؤسسات المعنية.

ومن ثم، فإن نجاح البرلمان لا ينبغي أن يقاس بعدد الجلسات المنعقدة أو الأسئلة المطروحة أو النصوص المصادق عليها فقط، بل بمدى مساهمة العمل البرلماني في حل المشكلات العامة، وتحسين جودة القوانين، ومراقبة صرف المال العام، وتقييم السياسات العمومية.

ويقتضي هذا الدور أن تتحول المؤسسة التشريعية إلى فضاء حقيقي للنقاش حول الخيارات الاقتصادية والاجتماعية، وأن تمارس المعارضة والأغلبية مسؤولياتهما في إطار التنافس السياسي المشروع، مع تغليب المصلحة العامة على الحسابات الحزبية الضيقة.



2. تجديد الممارسة السياسية وإعادة بناء الثقة

إن التذكير بالمسؤولية السياسية والأخلاقية للبرلمانيين يفتح النقاش حول إحدى القضايا الأساسية في الحياة الديمقراطية، وهي الثقة في المؤسسات التمثيلية.

فالثقة لا تُبنى بالخطاب وحده، وإنما تتشكل تدريجياً من خلال انتظام الأداء، والوفاء بالالتزامات، والوضوح في المواقف، والقدرة على التواصل مع المواطنين، والاستجابة للمطالب المشروعة.

وتزداد أهمية هذه المسألة حين تكون التوقعات الاجتماعية مرتفعة، خصوصاً في ما يتعلق بالتشغيل والصحة والتعليم والعدالة المجالية. فكلما اتسعت المسافة بين الوعود الانتخابية والنتائج الملموسة، أصبحت المؤسسات مطالبة بمراجعة أساليب عملها وتطوير آليات التتبع والمساءلة.

وعليه، فإن الخطاب يضع أمام البرلمان مسؤولية تتجاوز تدبير الخلافات السياسية اليومية إلى الإسهام في بناء الثقة عبر نتائج قابلة للملاحظة والقياس.

3. من المسؤولية السياسية إلى المسؤولية التاريخية

إن استحضار المسؤولية أمام الله والمواطنين والتاريخ يضفي على العمل النيابي بعداً أخلاقياً يتجاوز حدود الالتزام الإجرائي بالقوانين.

فالمسؤول العمومي لا يتحمل مسؤولية ما يقرره فقط، وإنما يتحمل أيضاً مسؤولية ما يتأخر في اتخاذه من قرارات، وما لا يعالجه من اختلالات، وما يترتب عن ضعف أدائه من آثار على المواطنين.

وتبعاً لذلك، يمكن فهم الرسالة الموجهة إلى البرلمانيين باعتبارها دعوة إلى الانتقال من سياسة تدبير المواقع إلى سياسة تدبير النتائج، ومن التنافس حول الخطابات إلى التنافس حول جودة الحلول والقدرة على التنفيذ.

ثانياً: المغرب باعتباره قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة

يحتل البعد الاقتصادي موقعاً مركزياً في الخطاب، من خلال التأكيد على طموح المغرب إلى مواصلة مساره باعتباره قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة. غير أن الأهمية التحليلية لهذه الفكرة لا تكمن في وصف المكانة الاقتصادية للمملكة فحسب، بل في الشروط التي تجعل هذا الطموح مستداماً وقادراً على إنتاج قيمة مضافة اجتماعية.

فالقوة الاقتصادية لا تُقاس بحجم البنيات التحتية أو الاستثمارات الكبرى وحدها، وإنما كذلك بقدرة الاقتصاد على خلق الثروة وفرص الشغل، وتنويع مصادر الدخل، وتحسين الإنتاجية، وتعزيز الصادرات، وتطوير البحث والابتكار، وتقليص الهشاشة الاجتماعية.



1. الانتقال من إنجاز المشاريع إلى تعظيم أثرها الاقتصادي

دعا الخطاب إلى تسريع المشاريع المبرمجة في البنيات التحتية، بالتوازي مع إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى. ويعكس هذا التوجه إدراكاً لأهمية البنيات التحتية في تحسين الربط بين المجالات الترابية، وتسهيل حركة السلع والأشخاص، وجذب الاستثمار، ورفع تنافسية الاقتصاد الوطني.

غير أن الأثر التنموي لهذه البنيات يظل مرتبطاً بكيفية توظيفها داخل النسيج الاقتصادي. فالطريق أو الميناء أو المنطقة الصناعية لا يحقق كامل إمكاناته بمجرد إنجازه، وإنما عندما يرتبط بمقاولات منتجة، وسلاسل توريد فعالة، ومراكز للتكوين، ومؤسسات للبحث والابتكار، وأسواق قادرة على استيعاب المنتجات والخدمات.

ولهذا، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تحقيق التكامل بين الاستثمار في البنيات المادية والاستثمار في القدرات البشرية والمؤسساتية. فالمغرب يحتاج إلى مشاريع قادرة على إنتاج القيمة المضافة، وليس فقط إلى توسيع رصيده من المنشآت والتجهيزات.

كما يتطلب ذلك تطوير آليات لتقييم المردودية الاقتصادية والاجتماعية للمشاريع، من خلال مؤشرات واضحة تتعلق بعدد مناصب الشغل المستحدثة، ونوعية هذه المناصب، ومستوى الاندماج المحلي، وحجم الاستثمار الخاص المستقطب، ومدى استفادة المقاولات الصغيرة والمتوسطة.

2. التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية

تكتسي الدعوة إلى التوازن بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية أهمية خاصة، لأنها تضع مسألة توزيع ثمار التنمية في صلب المشروع الاقتصادي الوطني.

فالنمو، مهما كان إيجابياً على مستوى المؤشرات الكلية، لا يؤدي تلقائياً إلى تحسين ظروف العيش بالنسبة إلى جميع المواطنين. وقد ترتفع الاستثمارات أو الصادرات في بعض القطاعات، بينما تظل مناطق أخرى محدودة النشاط الاقتصادي، أو تستمر فيها صعوبات الولوج إلى الخدمات الأساسية وفرص العمل.

ومن هنا تبرز ضرورة الانتقال من مفهوم النمو باعتباره غاية مستقلة إلى مفهوم النمو باعتباره وسيلة لتحقيق الرفاه الاجتماعي. وهذا يقتضي اعتماد سياسات تضمن انتقال جزء معتبر من المكاسب الاقتصادية إلى الأجور وفرص التشغيل والخدمات العمومية والاستثمار في الرأسمال البشري.

كما يستدعي توجيه الاستثمارات نحو القطاعات القادرة على خلق فرص عمل مستدامة، وتطوير المقاولات المحلية، وتعزيز الاقتصاد الاجتماعي والتضامني، ودعم الأنشطة الإنتاجية في المناطق الأقل استفادة من الدينامية الاقتصادية.

ويظل التحدي الأساسي هو بناء علاقة متكاملة بين التنافسية الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي، بحيث لا يتحول تحقيق النمو إلى مسار منفصل عن حاجات المجتمع، ولا تتحول العدالة الاجتماعية إلى هدف منفصل عن شروط الإنتاج والاستدامة المالية.

3. الاقتصاد الوطني في سياق التحولات الجيو-اقتصادية

يشير الخطاب إلى تسارع التحولات الجيو-اقتصادية، وهي عبارة تحيل إلى التغيرات التي تطال توزيع القوة الاقتصادية في العالم، والعلاقات التجارية، وسلاسل الإمداد، وأسواق الطاقة والمواد الأولية، والتنافس على التكنولوجيا والاستثمارات.

وفي مثل هذا السياق، لم تعد قدرة الدول على تحقيق النمو مرتبطة فقط بمواردها الداخلية، بل أصبحت مرتبطة كذلك بقدرتها على التكيف مع الأزمات الدولية، وتنويع شركائها، وتأمين حاجاتها الأساسية، وتحسين موقعها داخل سلاسل القيمة العالمية.

ويمكن للمغرب أن يستفيد من موقعه الجغرافي، وبنياته اللوجستية، وشراكاته الدولية، ومؤهلاته الصناعية والطاقية، من أجل توسيع حضوره في قطاعات جديدة. غير أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب رفع مستوى الابتكار المحلي، وتطوير الكفاءات، وتحسين مناخ الأعمال، وتوفير شروط المنافسة العادلة، وتعزيز الاندماج بين الاقتصاد الوطني والأسواق الخارجية.

ومن هذا المنظور، لا يتعلق الأمر فقط بجذب الاستثمارات الأجنبية، بل أيضاً بقدرة الاقتصاد المغربي على تحويل هذه الاستثمارات إلى معرفة وخبرة ومناصب شغل، وإلى روابط إنتاجية مع المقاولات المحلية.

ثالثاً: الأمن المائي والطاقي والغذائي باعتباره أساساً للسيادة الوطنية

يحتل الأمن المائي والطاقي والغذائي موقعاً بارزاً ضمن الاستراتيجيات الكبرى التي دعا الخطاب إلى تطويرها. ويكشف هذا الاختيار عن تحول في فهم التنمية، إذ لم تعد السيادة الوطنية مرتبطة فقط بالقدرات الدبلوماسية والعسكرية والمؤسساتية، بل أصبحت مرتبطة كذلك بمدى قدرة الدولة على ضمان استمرارية تزويد المجتمع والاقتصاد بالموارد الأساسية.

1. الأمن المائي: من تدبير الندرة إلى بناء قدرة مستدامة على الصمود

يمثل الماء أحد أكثر الملفات حساسية في المغرب، بالنظر إلى التفاوتات المجالية في الموارد المائية، والتقلبات المناخية، وتأثير الجفاف على الفلاحة والتشغيل والأسعار والاستقرار الاقتصادي للمناطق القروية.



ومن هذا المنطلق، فإن وضع الأمن المائي ضمن الأولويات الاستراتيجية يستدعي اعتماد مقاربة شمولية تجمع بين تعبئة الموارد، وتحسين التخزين، وتطوير تحلية مياه البحر حيثما كانت مجدية، وإعادة استعمال المياه العادمة المعالجة، والحد من ضياع المياه، وتحسين مردودية شبكات التوزيع.

لكن التدبير الفعال للماء لا يتوقف عند تطوير العرض، بل يتطلب أيضاً إصلاح أنماط الاستهلاك. فالموارد المائية المتاحة ينبغي أن توزع وفق أولويات واضحة توازن بين مياه الشرب، والحاجات الاقتصادية، والاستدامة البيئية، والأمن الغذائي.

ويقتضي ذلك مراجعة الممارسات الزراعية التي تستنزف المياه في المجالات الأكثر هشاشة، وتطوير تقنيات الري المقتصد، وتوسيع استخدام البيانات العلمية في اتخاذ القرارات المتعلقة بالأحواض المائية.

كما ينبغي أن يحظى الحق في الولوج إلى الماء الصالح للشرب بأولوية خاصة، لا سيما في المناطق القروية والجبلية التي قد تواجه صعوبات في الاستفادة من البنيات المائية.

وتتمثل الدلالة السياسية للأمن المائي في أن نجاح السياسات المائية لا يقاس بحجم المنشآت المنجزة وحده، بل بمدى ضمان استمرارية الخدمة، والحد من التفاوتات في الولوج، وتحسين القدرة على مواجهة فترات الجفاف.

2. الأمن الطاقي وتنويع مصادر التزود

يأتي الأمن الطاقي في سياق عالمي يتسم بتقلب أسعار الطاقة، وتزايد المنافسة على الموارد، وتسارع التحول نحو مصادر منخفضة الانبعاثات الكربونية.

وتتمثل أهمية هذا المحور في ارتباط الطاقة بكلفة الإنتاج الصناعي، والنقل، والخدمات، والقدرة التنافسية للمقاولات، فضلاً عن تأثيرها على القدرة الشرائية للأسر.



ومن ثم، فإن تعزيز الأمن الطاقي يقتضي تنويع مصادر الإمداد، وتطوير الطاقات المتجددة، وتحسين النجاعة الطاقية، وتقوية البنيات اللازمة لنقل الكهرباء وتخزينها، مع دراسة الإمكانات الاقتصادية والتقنية لكل خيار.

كما أن تطوير الطاقات المتجددة يمكن أن يفتح فرصاً جديدة للاستثمار والتشغيل، شريطة أن يرتبط بتكوين الكفاءات الوطنية، وتطوير الصناعات والخدمات المرتبطة بها، وتشجيع البحث والابتكار.

غير أن الانتقال الطاقي يحتاج إلى حكامة واضحة، حتى لا تتحول الاستثمارات الكبرى إلى مشاريع ذات أثر محدود على الاقتصاد المحلي أو على خلق فرص الشغل. ولذلك ينبغي أن تكون القيمة المضافة الوطنية، وتطوير الخبرة المحلية، ونقل التكنولوجيا، عناصر أساسية في تقييم المشاريع الطاقية.

3. الأمن الغذائي واستقرار سلاسل التوريد

يشكل الأمن الغذائي بعداً أساسياً من أبعاد الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لأن اضطراب الإمدادات أو ارتفاع أسعار المواد الأساسية ينعكس مباشرة على القدرة الشرائية للأسر، خصوصاً الفئات محدودة الدخل.

ويعني الأمن الغذائي قدرة الدولة على ضمان توافر الغذاء، واستمرارية الحصول عليه، وإمكانية شرائه بأسعار مناسبة، مع الحفاظ على جودة المنتجات وسلامتها.

ومن هنا تبرز أهمية تنويع مصادر الاستيراد، وتقوية التخزين، وتطوير الإنتاج الوطني في المجالات التي تتوافر فيها شروط اقتصادية وبيئية ملائمة، وتحسين سلاسل التوزيع واللوجستيك، والحد من الهدر الغذائي.

كما يتطلب هذا المحور التنسيق بين السياسات الفلاحية والمائية والطاقية والتجارية، لأن الأمن الغذائي لا يمكن فصله عن توفر المياه والطاقة، ولا عن كلفة النقل والأسمدة والمواد الأولية.

ويطرح ذلك سؤالاً استراتيجياً حول كيفية التوفيق بين حماية الموارد الطبيعية وتحقيق إنتاج فلاحي مستدام، وبين ضمان تموين الأسواق بأسعار معقولة.

4. الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين المواد الأساسية

شدد الخطاب على التعجيل بتطوير قدرات المملكة في مجال الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية. وتكمن أهمية هذا التوجه في الانتقال من التدبير الظرفي للأزمات إلى بناء قدرة مؤسساتية دائمة على الاستباق والاستجابة.

فالاحتياطات الاستراتيجية ليست مجرد مخزونات مادية، بل هي منظومة متكاملة تشمل تحديد المواد الحيوية، وتقدير حجم المخاطر، وتطوير قدرات التخزين، وتنويع الموردين، ووضع خطط للطوارئ، وضمان التنسيق بين القطاعات الحكومية والفاعلين الاقتصاديين.

وتتطلب هذه المنظومة تحديد المواد التي قد يؤدي انقطاعها إلى اضطراب الخدمات الأساسية أو الإنتاج الصناعي أو الأمن الصحي والغذائي، ثم وضع مستويات ملائمة للمخزون بحسب طبيعة كل مادة وكلفة تخزينها ومدة صلاحيتها.

كما ينبغي أن تخضع هذه الاحتياطات إلى حكامة شفافة، تسمح بتقييم كلفتها وفعاليتها، وتحد من مخاطر سوء التدبير أو المضاربة أو ضعف التنسيق.

إن الدلالة الأعمق لهذا المحور هي أن السيادة الاقتصادية لا تعني بالضرورة إنتاج كل شيء محلياً، وإنما تعني امتلاك القدرة على الاستمرار في مواجهة الصدمات، وتقليص الاعتماد على مصادر محدودة، وتوفير بدائل عملية عند حدوث الاضطرابات.

رابعاً: الإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي

إن إدراج الإقلاع الصناعي والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي ضمن الجيل الجديد من الاستراتيجيات الكبرى يعبّر عن توجه نحو اقتصاد أكثر اعتماداً على المعرفة والتكنولوجيا والابتكار.

غير أن نجاح هذا التوجه يتطلب الانتقال من مجرد استيراد التكنولوجيا واستخدامها إلى تطوير قدرات وطنية تسمح بإنتاج المعرفة وتكييفها وتوظيفها في حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية.

1. الإقلاع الصناعي وتنويع القاعدة الإنتاجية

يمثل تطوير الصناعة إحدى الوسائل الأساسية لتعزيز القيمة المضافة، وخلق وظائف تتطلب مهارات متنوعة، وتحسين القدرة التصديرية، وتقوية الاندماج في سلاسل الإنتاج الدولية.



لكن الإقلاع الصناعي المستدام لا يقوم على إنشاء الوحدات الإنتاجية فقط، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة تشمل التكوين المهني، والبحث التطبيقي، والبنيات اللوجستية، والتمويل، والابتكار، والقدرة على الوصول إلى الأسواق.

كما أن أحد التحديات الرئيسية يتمثل في توسيع استفادة المقاولات الصغيرة والمتوسطة من الدينامية الصناعية، من خلال إدماجها في سلاسل التوريد، وتسهيل ولوجها إلى التكنولوجيا والتمويل، وتحسين قدرتها على احترام معايير الجودة.

ومن الضروري أيضاً أن ترتبط السياسة الصناعية بالأهداف الاجتماعية، عبر تطوير قطاعات قادرة على خلق فرص شغل مستدامة، وتوفير مسارات للترقي المهني، وتقليص الفوارق بين المجالات التي تستقطب الاستثمارات والمناطق التي تظل خارج الدينامية الصناعية.

2. الاقتصاد الرقمي وتحديث الإدارة والخدمات

يمكن للاقتصاد الرقمي أن يساهم في رفع الإنتاجية، وتبسيط المساطر الإدارية، وتحسين الخدمات العمومية، وتطوير التجارة الإلكترونية، وفتح أسواق جديدة أمام المقاولات.

غير أن التحول الرقمي لا يتحقق بمجرد رقمنة الوثائق أو إنشاء المنصات الإلكترونية، بل يتطلب إعادة تنظيم طرق العمل، وتبادل البيانات بشكل آمن، وتوحيد المساطر، وتوفير البنية التحتية الرقمية، وضمان قدرة المواطنين على الاستفادة من الخدمات.

ويظل خطر الفجوة الرقمية قائماً عندما تكون الفئات الاجتماعية أو المناطق الترابية غير متكافئة في الولوج إلى الإنترنت أو في امتلاك المهارات الرقمية. ولذلك ينبغي أن يكون التحول الرقمي شاملاً، وألا يؤدي إلى إقصاء المواطنين الذين يواجهون صعوبات في استخدام التكنولوجيا.

كما أن تحديث الإدارة رقمياً يمكن أن يسهم في تقليص آجال معالجة الملفات، وتحسين الشفافية، والحد من التعقيدات الإدارية، شريطة أن يقترن بالمساءلة وحماية المعطيات الشخصية والأمن السيبراني.

3. الذكاء الاصطناعي: فرصة تنموية وشروط الاستخدام المسؤول

يمثل الذكاء الاصطناعي أحد أبرز التحولات التكنولوجية التي تؤثر في الاقتصاد والإدارة والتعليم والصحة والصناعة.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن تطوير القدرات في هذا المجال يمكن أن يفتح فرصاً لتحسين الإنتاجية، وتحليل البيانات، وتطوير الخدمات، ودعم البحث العلمي، وتحسين إدارة الموارد الطبيعية.

لكن الاستفادة من الذكاء الاصطناعي تقتضي تكوين كفاءات متخصصة، وتطوير البحث الجامعي، وتشجيع المقاولات الناشئة، وتحسين البنية التحتية للحوسبة والبيانات، ووضع قواعد واضحة للاستخدام المسؤول.

كما يجب الانتباه إلى انعكاسات الأتمتة على بعض المهن، وإلى احتمال اتساع الفجوة بين العمال ذوي المهارات الرقمية المرتفعة والعمال الذين يواجهون صعوبات في التكيف مع التحولات الجديدة.

لذلك ينبغي ربط الاستثمار في الذكاء الاصطناعي بسياسات التكوين المستمر وإعادة التأهيل المهني، حتى تتحول التكنولوجيا إلى وسيلة لتوسيع فرص التنمية، لا إلى عامل جديد لتعميق التفاوتات.

خامساً: القطاع الخاص الوطني من فاعل اقتصادي إلى شريك استراتيجي في التنمية

دعا الخطاب القطاع الخاص الوطني إلى الارتقاء إلى فاعل استراتيجي في التحول التنموي، وأن يكون أكثر مبادرة وابتكاراً وقدرة على خلق فرص الشغل والاستثمار والتصدير.

وتعكس هذه الدعوة أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه المقاولات في تحويل التوجهات الاقتصادية الكبرى إلى نشاط إنتاجي فعلي. فالدولة تضع الإطار القانوني والاستراتيجي، وتستثمر في البنيات الأساسية والخدمات العامة، بينما تساهم المقاولات في إنتاج السلع والخدمات، وخلق مناصب الشغل، وتطوير الابتكار، وتوسيع الصادرات.

غير أن هذا التكامل يقتضي وضوحاً في المسؤوليات، وتنافسية عادلة، وتبسيطاً للمساطر، وولوجاً أكثر إنصافاً إلى التمويل والصفقات والأسواق.

1. الاستثمار المنتج بدل الاقتصار على العائد السريع

تتطلب التنمية المستدامة تشجيع الاستثمارات التي توسع القدرات الإنتاجية، وتخلق فرص شغل ذات جودة، وتساهم في نقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات.

ومن هنا تبرز أهمية توجيه الحوافز العمومية نحو الاستثمارات التي تحقق أثراً اقتصادياً واجتماعياً قابلاً للقياس، بدل الاكتفاء بحجم الأموال المعبأة أو القيمة الإجمالية للمشاريع.

كما ينبغي أن يخضع الدعم العمومي الموجه إلى الاستثمار لمعايير واضحة تتعلق بالشفافية، واحترام الالتزامات، وجودة مناصب الشغل، والاندماج المحلي، والنتائج المحققة.

2. المقاولات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها ركيزة للتنمية المحلية

لا يمكن تحقيق تنمية متوازنة إذا ظلت فرص الاستثمار والنشاط الاقتصادي مركزة في عدد محدود من القطاعات والمناطق.

فالمقاولات الصغيرة والمتوسطة، بما فيها المقاولات الصناعية والخدماتية والفلاحية، يمكن أن تؤدي دوراً أساسياً في تنشيط الاقتصاد المحلي، وتوفير فرص العمل، وتثمين الموارد المتاحة داخل الجهات.

لكن هذه المقاولات تواجه عادة تحديات مرتبطة بالتمويل، والولوج إلى الأسواق، والتحول الرقمي، والتكوين، وتعقيد المساطر. ومن ثم، فإن تعزيز دورها يقتضي تطوير برامج دعم أكثر ملاءمة لحاجاتها، وتحسين الولوج إلى الضمانات والتمويل، وتسهيل مشاركتها في سلاسل التوريد والصفقات العمومية.

3. التصدير والابتكار والقدرة التنافسية

إن تشجيع الاستثمار والتصدير يستدعي تطوير منتجات وخدمات قادرة على المنافسة من حيث الجودة والكلفة والابتكار، مع تنويع الأسواق والحد من الاعتماد على عدد محدود من الوجهات التجارية.

ويقتضي ذلك دعم البحث والتطوير، وتحسين الخدمات اللوجستية، وتسهيل ولوج المقاولات إلى المعلومات المتعلقة بالأسواق، وتطوير الكفاءات القادرة على التكيف مع المعايير الدولية.

وفي هذا السياق، ينبغي أن يصبح الابتكار جزءاً من استراتيجية المقاولة، لا مجرد نشاط ثانوي، وأن تتعزز الصلة بين الجامعات ومراكز البحث والقطاع الخاص، بما يسمح بتحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات ذات قيمة اقتصادية.

سادساً: الشباب في صدارة السياسات العمومية وإعادة بناء الأمل الاجتماعي

يحتل الشباب مكانة محورية في الخطاب، الذي دعا إلى وضع قضاياهم في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، من خلال تصور متكامل يضمن تكافؤ الفرص ويشمل التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي.

وتكمن أهمية هذا التوجه في أنه لا يتعامل مع الشباب باعتبارهم فئة تحتاج فقط إلى برامج محدودة أو إجراءات ظرفية، وإنما باعتبارهم طاقة بشرية ينبغي أن تكون في قلب المشروع التنموي الوطني.

1. التشغيل بوصفه مدخلاً للاندماج الاقتصادي والاجتماعي

لا يقتصر العمل على توفير دخل للفرد، بل يمنحه أيضاً الاستقلالية والقدرة على التخطيط للمستقبل، ويساعده على بناء علاقات اجتماعية مستقرة والشعور بالمشاركة في المجتمع.

ومن هنا، فإن صعوبة الولوج إلى العمل لا تمثل مشكلة اقتصادية فحسب، وإنما قد تتحول إلى مصدر للإحباط وفقدان الثقة في المؤسسات وفي جدوى المسارات التعليمية والمهنية.

ويتطلب التعامل مع هذه القضية سياسات متعددة الأبعاد، تشمل تشجيع الاستثمار المنتج، وتطوير المقاولات، وتحسين التكوين المهني، وتسهيل الانتقال من الدراسة إلى العمل، ودعم المبادرات المقاولاتية الجادة.

كما ينبغي الاهتمام بنوعية فرص الشغل، لأن التشغيل الهش أو غير المستقر لا يضمن بالضرورة الاندماج الاقتصادي والاجتماعي المنشود.

ومن المهم أيضاً تطوير برامج تستجيب للفوارق بين الشباب، إذ تختلف حاجات خريجي الجامعات عن حاجات الشباب غير الحاصلين على شهادات، كما تختلف فرص الاندماج بين المدن الكبرى والمناطق القروية والجبلية.

2. التعليم والتأهيل وربط التكوين بحاجات الاقتصاد

يشكل التعليم أحد المحددات الأساسية للعدالة الاجتماعية، لأنه يؤثر في فرص الفرد في الحصول على العمل والترقي المهني والمشاركة الاقتصادية.

لكن تحقيق هذا الدور يقتضي أن تكون المدرسة قادرة على توفير المعارف والمهارات الأساسية، وأن يكون التكوين المهني والجامعي مرتبطاً بالتحولات التي يشهدها الاقتصاد.



ويعني ذلك تعزيز جودة التعلمات، وتطوير المهارات الرقمية واللغوية، وتقوية التكوين التقني، وتشجيع التخصصات المرتبطة بالصناعة والطاقة والبيئة والخدمات الحديثة، مع الحفاظ على أهمية العلوم الإنسانية والاجتماعية في بناء شخصية متوازنة وقادرة على التفكير النقدي.

كما ينبغي تطوير آليات للتوجيه المهني، وتوسيع فرص التدريب داخل المقاولات، وتشجيع التعلم المستمر، حتى لا يصبح المسار التعليمي منفصلاً عن الواقع الاقتصادي.

3. تكافؤ الفرص والعدالة بين الشباب

إن الدعوة إلى تكافؤ الفرص تطرح سؤالاً جوهرياً حول مدى قدرة جميع الشباب على الاستفادة من الموارد والخدمات نفسها، بصرف النظر عن مكان الإقامة أو الوضع الاجتماعي أو القدرة المالية للأسرة.

فالتفاوت في جودة المدارس والخدمات الصحية والنقل والإنترنت، وكذلك في القرب من مراكز الاستثمار والتكوين، يمكن أن يؤدي إلى تفاوتات كبيرة في فرص النجاح والاندماج.

ومن ثم، فإن تكافؤ الفرص لا يتحقق فقط بإعلان المساواة أمام القانون، بل يحتاج إلى سياسات تعالج العوائق العملية التي تمنع بعض الشباب من الاستفادة من الفرص المتاحة.

ويقتضي ذلك تقوية الخدمات الأساسية في المناطق الأقل استفادة، وتطوير النقل المدرسي والجامعي، وتحسين الولوج إلى التكوين، وتوسيع برامج المواكبة المهنية، وتشجيع المشاريع التي تخلق فرصاً اقتصادية محلية.

4. الشباب والثقة في المؤسسات

ربط الخطاب بين تكافؤ الفرص وتعزيز الثقة في قدرة الشباب على الارتقاء الاجتماعي، وفي مؤسسات وطنهم والفرص التي توفرها لهم، يحمل دلالة سياسية واجتماعية بالغة الأهمية.

فالثقة لا تتعلق فقط بمدى قبول المؤسسات، وإنما ترتبط أيضاً بإحساس المواطن بأن جهده يمكن أن يؤدي إلى نتائج، وأن القواعد تطبق بعدالة، وأن المبادرة والاجتهاد يفتحان المجال أمام التقدم.

ومن هنا، فإن بناء الثقة يقتضي الوضوح في السياسات، والإنصاف في توزيع الفرص، وتوفير المعلومات، ومحاربة الفساد والزبونية، وتطوير قنوات المشاركة والحوار.

كما ينبغي التعامل مع الشباب باعتبارهم شركاء في صياغة الحلول، وليسوا مجرد مستفيدين من البرامج العمومية. فإشراكهم في النقاشات المحلية، والمبادرات الاجتماعية، والمشاريع الاقتصادية، يمكن أن يساهم في تحسين جودة القرارات وتعزيز الشعور بالانتماء والمسؤولية.

سابعاً: التنمية المندمجة والعدالة المجالية: الانتقال من مركزية القرار إلى فعالية المجال الترابي

يُعد المحور الترابي من أهم محاور الخطاب، إذ أكد أن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة هو العمل الميداني، والوقوف على المشكلات الحقيقية لكل منطقة، والبحث عن حلول واقعية لها.

وتكشف هذه الرسالة عن إدراك لأهمية الانتقال من السياسات التي تصاغ بصورة موحدة من المركز إلى سياسات تراعي اختلاف الحاجات والإمكانات بين الجهات والأقاليم والجماعات.

فالعدالة المجالية لا تعني توزيع المشاريع بالتساوي الحسابي بين المناطق، وإنما تعني توجيه الموارد وفق الحاجات الفعلية، ومعالجة الاختلالات التاريخية، وضمان الحد الأدنى من الخدمات الأساسية لجميع المواطنين.

1. العمل الميداني باعتباره مدخلاً لتشخيص الحاجات

إن الدعوة إلى العمل الميداني تعني ضرورة أن تنطلق السياسات العمومية من تشخيص واقعي للمشكلات، بدلاً من الاعتماد على التصورات العامة أو المؤشرات الوطنية وحدها.

فالمناطق تختلف في بنيتها الاقتصادية والديمغرافية، وفي مواردها الطبيعية، وفي طبيعة أنشطتها الإنتاجية، وفي حاجاتها إلى الماء والنقل والصحة والتعليم والتجهيزات.

وقد تحتاج منطقة قروية إلى تحسين الطرق والمسالك والماء الصالح للشرب والنقل المدرسي، بينما تحتاج مدينة متوسطة إلى تطوير المناطق الصناعية والنقل العمومي والتجهيزات الصحية، وقد تحتاج منطقة ساحلية إلى استثمارات في الاقتصاد البحري والخدمات واللوجستيك.

ولذلك، ينبغي أن تصبح المعطيات الترابية الدقيقة أساساً لإعداد البرامج التنموية، مع إشراك الجماعات الترابية والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني والسكان في تحديد الأولويات.

كما يتطلب العمل الميداني آليات للتتبع المستمر، حتى لا يقتصر على الزيارات التشخيصية، بل يتحول إلى نظام منتظم لرصد المشكلات وتقييم التدخلات وتصحيحها.

2. الجهوية المتقدمة وتوزيع المسؤوليات

تمثل الجهوية المتقدمة إطاراً مؤسساتياً لتقريب القرار التنموي من المجال الترابي، وتعزيز قدرة الجهات على تحديد أولوياتها والمساهمة في تنفيذ المشاريع.

لكن نجاح هذا الورش يتوقف على مدى وضوح الاختصاصات بين الدولة والجهات، وعلى توفر الموارد المالية والبشرية اللازمة، وعلى قدرة المؤسسات الترابية على إعداد المشاريع وتدبيرها وتقييمها.

فالجهة التي تتحمل مسؤوليات تنموية من دون موارد كافية أو صلاحيات واضحة لا تستطيع أداء دورها الكامل. وبالمثل، فإن نقل الموارد من دون تعزيز القدرات التدبيرية وآليات المراقبة قد لا يؤدي إلى النتائج المطلوبة.

ولهذا، فإن تطوير الجهوية المتقدمة يقتضي الجمع بين توسيع الصلاحيات، وتوفير التمويل، وتقوية الإدارة الترابية، وتحديد المسؤوليات، وتطوير آليات التعاقد بين الدولة والجهات.

كما ينبغي أن تسهم الجهوية في تقليص الفوارق داخل الجهة نفسها، لا أن تقتصر على تعزيز المدن الكبرى أو المراكز الاقتصادية الأكثر قوة.

3. اللاتمركز الإداري: نقل القرار إلى المستوى الترابي

شدد الخطاب على أنه لم يعد من المقبول استمرار التأخير أو التماطل في التفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز، بما يتطلبه من نقل للصلاحيات والموارد البشرية والمالية من المركز إلى الأقاليم والجهات.

وهنا ينبغي التمييز بين اللامركزية واللاتمركز الإداري. فاللامركزية تقوم على منح الجماعات الترابية اختصاصات تمارسها في إطار شخصيتها الاعتبارية واستقلالها الإداري والمالي وفق القانون، بينما يتعلق اللاتمركز بتوزيع اختصاصات الإدارة المركزية على ممثليها ومصالحها الخارجية في المجالات الترابية.

ويكمل النظامان أحدهما الآخر؛ إذ تتيح اللامركزية للمؤسسات الترابية اتخاذ القرارات في نطاق اختصاصاتها، بينما يسمح اللاتمركز للإدارات التابعة للدولة بتقديم الخدمات واتخاذ القرارات المحلية من دون الرجوع في كل مرة إلى المصالح المركزية.

وتكمن أهمية اللاتمركز في تقليص آجال معالجة الملفات، وتبسيط الإجراءات، وتحسين التنسيق بين المصالح الإدارية، وتسريع إنجاز المشاريع.

غير أن نقل الصلاحيات ينبغي أن يكون فعلياً، لا مجرد توزيع شكلي للاختصاصات. فالتفويض الذي لا تصاحبه موارد بشرية ومالية كافية، أو تظل ممارسته مرتبطة بموافقات مركزية متكررة، قد لا يحقق الأثر المنتظر.

4. وضوح الاختصاصات والتنسيق والتعاقد

أشار الخطاب إلى ضرورة تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات، ووضع آليات للتنسيق والتعاقد، وتمكين الجهات من اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.

وتكتسي هذه النقطة أهمية كبيرة، لأن تعدد المؤسسات المتدخلة في المشروع الواحد قد يؤدي إلى تداخل المسؤوليات، وتأخر القرارات، وتشتت الموارد، وصعوبة تحديد الجهة المسؤولة عن النتائج.

ومن ثم، فإن تطوير آليات التعاقد بين الدولة والجهات يمكن أن يساهم في تحديد الالتزامات والآجال والموارد والمؤشرات، بما يجعل العلاقة بين الطرفين قائمة على أهداف قابلة للتقييم.

كما أن وضوح الاختصاصات يتيح للمواطن معرفة الجهة المسؤولة عن الخدمة أو المشروع، ويعزز إمكانية المساءلة عند حدوث التأخر أو الاختلال.

5. العدالة المجالية باعتبارها عدالة في الفرص والخدمات

لا تكتمل العدالة المجالية بمجرد توزيع المنشآت والبنيات الأساسية، بل تتطلب ضمان فرص حقيقية للولوج إلى الخدمات والعمل والاستثمار.

فقد تتوفر منطقة على طريق أو مؤسسة إدارية، لكنها تظل محدودة النشاط الاقتصادي إذا لم تتوفر على فرص للتكوين والتشغيل، أو إذا كانت الخدمات الصحية والتعليمية بعيدة أو ضعيفة الجودة.



ولهذا، فإن التنمية المندمجة تستدعي الجمع بين البنيات التحتية والخدمات الأساسية والاستثمار المنتج والتأهيل البشري، ضمن تصور متكامل يأخذ بعين الاعتبار خصوصيات كل مجال.

وتبرز أهمية هذه المقاربة بشكل خاص في المناطق القروية والجبلية والمناطق التي تواجه صعوبات اقتصادية أو بيئية، حيث تكون كلفة توفير الخدمات أعلى، وتكون الحاجة إلى تدخل عمومي منسق أكثر إلحاحاً.

ثامناً: العلاقة بين الدولة والجهات وإشكالية فعالية الإدارة العمومية

إن تأكيد الخطاب على إزالة العراقيل التي تعيق عمل مؤسسات الجهات يفتح النقاش حول طبيعة الإدارة العمومية ومدى قدرتها على مواكبة التحولات التنموية.

فالإدارة ليست مجرد جهاز لتنفيذ القرارات، بل هي وسيط أساسي بين الاستراتيجيات الوطنية والمواطنين والمقاولات والمؤسسات الترابية. وكلما كانت الإدارة بطيئة أو معقدة أو غير واضحة الاختصاصات، انعكس ذلك على الاستثمار والخدمات والثقة في المؤسسات.

ومن هنا، فإن إصلاح الإدارة ينبغي أن يتجاوز الرقمنة وتبسيط الوثائق إلى تطوير ثقافة الأداء والمسؤولية، وربط المهام بأهداف واضحة، وتقييم جودة الخدمات، وتحديد المسؤوليات عند التأخر أو التقصير.

كما يتطلب الأمر الاستثمار في تكوين الموظفين، وتحسين ظروف العمل، وتطوير نظم المعلومات، وتعزيز التنسيق بين الإدارات، وتوسيع استخدام البيانات في اتخاذ القرار.

ومن الضروري أيضاً أن تكون مؤشرات الأداء مرتبطة بما يهم المواطنين مباشرة، مثل آجال معالجة الملفات، وجودة الخدمات، وسهولة الحصول على المعلومات، وعدد الشكايات التي تمت معالجتها، ودرجة رضا المرتفقين.

وبهذا المعنى، فإن فعالية الإدارة الترابية تشكل شرطاً أساسياً لإنجاح الجهوية المتقدمة، لأنها هي التي تحول الاختصاصات والموارد إلى خدمات ومشاريع ونتائج ملموسة.

تاسعاً: البعد الدولي للخطاب وإعادة صياغة التعاون في مجال الهجرة

خصص الخطاب حيزاً للعلاقات الدولية، ولا سيما التعاون في مجال الهجرة، مع التأكيد على مكانة المغرب كشريك مسؤول وموثوق، وعلى ضرورة تطوير نموذج التعاون مع الشركاء، وبالأخص إسبانيا.

ويمثل هذا المحور انتقالاً من الملفات التنموية الداخلية إلى قضايا السيادة والشراكة الدولية، لكنه يظل مرتبطاً بصورة غير مباشرة بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية، لأن العلاقات الخارجية تؤثر في التجارة والاستثمار والأمن والاستقرار الإقليمي.

1. المغرب كشريك دولي مسؤول

إن التأكيد على موثوقية المغرب في علاقاته الدولية يعكس أهمية الالتزام بالاتفاقات والتعاون في القضايا ذات الاهتمام المشترك.

غير أن الشراكة الفعالة لا تقوم على التزامات طرف واحد، بل تحتاج إلى توازن بين المصالح، ووضوح في المسؤوليات، واستمرارية في الحوار، وقدرة على التكيف مع التحولات القانونية والسياسية.

وفي هذا الإطار، يمكن فهم دعوة الخطاب إلى مراجعة نموذج التعاون في مجال الهجرة باعتبارها مطالبة بإعادة تقييم الآليات القائمة، ومدى قدرتها على التعامل مع الأزمات المتكررة.

2. الهجرة بين المسؤولية المشتركة والسيادة الوطنية

تُعد الهجرة من الملفات التي تتداخل فيها الاعتبارات الإنسانية والقانونية والأمنية والاقتصادية.

فإدارة الهجرة لا تقتصر على مراقبة الحدود، وإنما تشمل أيضاً مكافحة شبكات الاتجار بالبشر، وحماية الأشخاص في وضعيات هشاشة، والتعاون القضائي، والتنسيق الإداري، ومعالجة أسباب الهجرة غير النظامية.



وقد انتقد الخطاب النموذج الحالي للتعاون، معتبراً أنه أصبح متجاوزاً، وأشار إلى تحديات مرتبطة بمقتضيات قانونية وقرارات قضائية تعرقل بعض عمليات الترحيل.

ومن الناحية التحليلية، يطرح هذا الموقف الحاجة إلى التوفيق بين فعالية التعاون الحدودي واحترام القوانين والضمانات الحقوقية، لأن استدامة أي نموذج للهجرة تقتضي وضوح الإجراءات، وتحديد المسؤوليات، واحترام الالتزامات القانونية ذات الصلة.

كما أن التعاون في هذا المجال لا يمكن أن يظل محصوراً في التدبير الأمني، بل يحتاج إلى مقاربة أوسع تشمل التنمية المشتركة، والتعاون الاقتصادي، والتكوين، ومحاربة الشبكات الإجرامية، وتحسين آليات معالجة الملفات.

3. الشراكة مع إسبانيا ومبدأ الندية

تكتسب الإشارة إلى إسبانيا أهمية خاصة بالنظر إلى العلاقات الجغرافية والاقتصادية والإنسانية بين البلدين، وإلى ارتباطهما بقضايا التجارة والاستثمار والهجرة والأمن الإقليمي.

وقد شدد الخطاب على أن الشراكة اختيار سيادي والتزام إرادي، وأنها لا ينبغي أن تكون موضوع ضغط أو تهديد أو ابتزاز. وتحمل هذه الرسالة تأكيداً على أن التعاون الدولي، مهما بلغت أهميته، لا يلغي استقلالية القرار الوطني.

لكن الحفاظ على الشراكة يقتضي أيضاً وجود قنوات للحوار وآليات لتدبير الخلافات، حتى لا تتحول التوترات السياسية أو الإعلامية إلى أزمات مستمرة تؤثر في المصالح المشتركة.

ومن هذا المنطلق، فإن إعلان تقديم وثيقة استراتيجية إلى الشركاء، تتضمن رؤية واضحة وعملية لتعزيز التنمية المشتركة والتنافسية الاقتصادية والاستقرار الإقليمي، يمثل عنصراً مهماً في الخطاب.

وتكمن أهمية هذه الوثيقة، من حيث المبدأ، في إمكانية الانتقال من التدبير الظرفي للأزمات إلى بناء تصور استراتيجي طويل الأمد، يربط التعاون في مجال الهجرة بمصالح اقتصادية وتنموية أوسع.

4. الدبلوماسية الاقتصادية والتنمية المشتركة

إن الربط بين التعاون الدولي والتنمية المشتركة يفتح المجال أمام مقاربة تجعل العلاقات الخارجية وسيلة لتعزيز الاستثمار والتجارة ونقل التكنولوجيا وخلق فرص الشغل.

فالشراكات الدولية الأكثر استدامة هي تلك التي تنتج منافع متبادلة، وتتيح تطوير المشاريع المشتركة، وتحسين الربط الاقتصادي، وتوسيع مجالات التعاون العلمي والتكنولوجي.

وبالتالي، فإن نجاح الرؤية الاستراتيجية التي أعلن عنها الخطاب سيتوقف على وضوح أهدافها، وقدرتها على تحويل المبادئ السياسية إلى برامج ومشاريع قابلة للتنفيذ، وعلى وجود آليات للتقييم والمتابعة.

عاشراً: الهوية الوطنية والاعتزاز بالمغرب باعتبارهما مصدراً للمسؤولية

استحضر الخطاب الاعتزاز بالانتماء إلى المغرب، والهوية الدينية الأصيلة في ظل إمارة المؤمنين، والهوية الحضارية الغنية بتعدد مكوناتها، إلى جانب المكاسب السياسية والدبلوماسية والإنجازات التنموية والاقتصادية والاجتماعية.

ولا ينبغي قراءة هذا المحور بمعزل عن باقي عناصر الخطاب، لأنه يربط بين الهوية الوطنية ومتطلبات الفعل العمومي. فالاعتزاز بالوطن، كما يوضح الخطاب، ليس مجرد تعبير عن الرضا بالذات أو التفاخر بالإنجازات، وإنما هو حافز لتحويل الانتماء إلى مسؤولية والثقة إلى واجب وطني.

1. الهوية الوطنية بين الاستمرارية والتجدد

تشكل الهوية الوطنية إطاراً مرجعياً للانتماء المشترك، وتستمد قوتها من التاريخ والمؤسسات واللغة والثقافة والذاكرة الجماعية وتعدد المكونات الحضارية للمجتمع المغربي.

لكن الهوية الحية لا تقتصر على استحضار الماضي، بل تتجدد أيضاً من خلال القدرة على مواجهة تحديات الحاضر وبناء المستقبل.

ومن هذا المنظور، فإن الاعتزاز بالهوية يمكن أن يشكل دافعاً لتطوير التعليم والثقافة والبحث العلمي، وحماية التراث، وتشجيع الإبداع، وتعزيز الحوار بين مكونات المجتمع.

2. الاعتزاز الوطني باعتباره التزاماً عملياً

إن الربط بين الانتماء والمسؤولية يضع المواطنة في إطار عملي، حيث تصبح خدمة الصالح العام واحترام القانون والمحافظة على الممتلكات العمومية والمشاركة في التنمية عناصر أساسية في التعبير عن الانتماء الوطني.

كما يقتضي هذا التصور أن يتحمل المسؤولون العموميون مسؤولياتهم في تنفيذ البرامج وتحسين الخدمات، وأن يلتزم الفاعلون الاقتصاديون بقواعد المنافسة والشفافية، وأن تسهم المؤسسات المنتخبة في مراقبة السياسات العمومية والدفاع عن مصالح المواطنين.

وبذلك، يتحول الاعتزاز الوطني من خطاب رمزي إلى سلوك يومي وممارسة مؤسساتية.

3. الهوية والانفتاح على العالم

إن تأكيد الهوية الوطنية لا يتعارض مع الانفتاح على الاقتصاد العالمي والتكنولوجيا الحديثة والشراكات الدولية، بل يمكن أن يشكل قاعدة لتعزيز الحضور المغربي في العالم.

فالدولة الواثقة من هويتها تستطيع الانخراط في التعاون الدولي من موقع أكثر توازناً، مع الحفاظ على مصالحها الوطنية وتطوير قدراتها الذاتية.

ومن هنا، فإن الربط بين الهوية والسيادة الاقتصادية والدبلوماسية يبرز أن الانتماء الوطني لا ينفصل عن القدرة على الابتكار والإنتاج والمشاركة في بناء المعرفة.

الحادي عشر: الخطاب باعتباره دعوة إلى الانتقال من منطق الأوراش إلى منطق النتائج

إذا كان من الممكن استخلاص فكرة جامعة من المحاور الاقتصادية والاجتماعية والترابية والمؤسساتية، فهي أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى قياس النجاح بما يتحقق على أرض الواقع.

فالأوراش الكبرى والاستراتيجيات الوطنية لا تكتسب قيمتها النهائية إلا عندما تنعكس على حياة المواطنين، وتساهم في تحسين الخدمات، وتوسيع فرص العمل، وتقليص التفاوتات، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات.

1. من إعلان الأهداف إلى تحديد مؤشرات الإنجاز

تقتضي ترجمة التوجيهات إلى نتائج اعتماد مؤشرات واضحة تسمح بقياس التقدم المحقق في كل مجال.

ففي التشغيل، ينبغي تتبع عدد مناصب الشغل المستحدثة، واستدامتها، وتوزيعها حسب الجهات والفئات العمرية، ونوعية العقود ومستوى الأجور.

وفي التعليم، ينبغي قياس جودة التعلمات، ونسب الهدر المدرسي، ومدى الانتقال إلى التعليم العالي والتكوين المهني، وقدرة الخريجين على الاندماج في سوق العمل.

وفي الصحة، ينبغي تتبع الولوج إلى الخدمات، وتوزيع الموارد البشرية، وآجال المواعيد، وتوفر الأدوية والتجهيزات، وجودة التكفل بالمرضى.

أما في التنمية الترابية، فينبغي تقييم مدى تقليص الفوارق في الولوج إلى الماء والنقل والتعليم والصحة، وقياس تطور الاستثمار والتشغيل داخل الجهات الأقل استفادة.

2. الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة

إن فعالية السياسات العمومية تتطلب وضوح المسؤوليات وتحديد آجال التنفيذ، إلى جانب توفير الموارد اللازمة ومراقبة استخدامها.

ويقتضي ذلك تعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية، وتطوير آليات التقييم المستقل، وتحسين نشر المعلومات المتعلقة بتقدم المشاريع، وإتاحة المعطيات الأساسية أمام البرلمان والرأي العام.

كما ينبغي أن تؤدي نتائج التقييم إلى اتخاذ إجراءات تصحيحية، لا أن تظل مجرد تقارير إدارية. فالغرض من التقييم ليس فقط معرفة ما تحقق، بل أيضاً تحديد أسباب التأخر أو ضعف النتائج، واقتراح حلول قابلة للتنفيذ.

3. المشاركة المواطنة باعتبارها مصدراً لتحسين السياسات

لا يمكن بناء سياسات عمومية فعالة اعتماداً على القرار المركزي وحده، لأن المواطنين يمتلكون معرفة مباشرة بالمشكلات اليومية التي تواجههم.

ومن ثم، فإن توسيع قنوات المشاركة والتشاور، وتطوير آليات استقبال الشكايات والاقتراحات، وتعزيز دور المجتمع المدني، يمكن أن يساهم في تحسين التشخيص وترتيب الأولويات.



كما أن المشاركة تتيح تعزيز الثقة، لأنها تمنح المواطنين فرصة للمساهمة في تحديد الحلول ومراقبة النتائج، بدلاً من الاقتصار على تلقي القرارات والخدمات.

الثاني عشر: التحديات التي قد تواجه تنزيل التوجيهات الملكية

على الرغم من وضوح الاتجاهات العامة التي رسمها الخطاب، فإن الانتقال من التوجيهات إلى النتائج يظل مرتبطاً بمجموعة من التحديات العملية.

1. تحدي التنسيق بين المؤسسات

تتطلب ملفات الماء والطاقة والتشغيل والتنمية الترابية تدخل مؤسسات متعددة. وقد يؤدي ضعف التنسيق بينها إلى تكرار البرامج أو تضارب الأولويات أو تأخر التنفيذ.

ويقتضي تجاوز هذا التحدي وضع آليات واضحة لتوزيع المسؤوليات، وتحديد الأهداف المشتركة، وتنظيم تبادل المعلومات، وربط التقدم في المشاريع بمؤشرات قابلة للقياس.

2. تحدي الموارد المالية والبشرية

لا يكفي الإعلان عن نقل الاختصاصات إلى الجهات أو إطلاق استراتيجيات جديدة، ما لم تتوفر الموارد اللازمة لتنفيذها.

فالجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري يحتاجان إلى موظفين مؤهلين، وإلى أنظمة معلومات فعالة، وإلى تمويل مستقر، وإلى قدرات على إعداد المشاريع وتدبيرها.

كما أن تطوير الذكاء الاصطناعي والصناعة المتقدمة يتطلب الاستثمار في التكوين والبحث والابتكار، وهي استثمارات تحتاج إلى رؤية طويلة الأمد واستمرارية في التمويل.

3. تحدي العدالة في توزيع الاستثمارات

قد تتجه الاستثمارات بطبيعتها نحو المجالات الأكثر جاذبية من حيث البنيات التحتية والأسواق والموارد البشرية، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار الفوارق المجالية إذا لم تتدخل السياسات العمومية لتصحيحها.

ومن ثم، فإن تحقيق العدالة المجالية يقتضي تهيئة شروط الاستثمار في المناطق الأقل استفادة، وتحسين خدماتها الأساسية، وتطوير الأنشطة الاقتصادية الملائمة لمؤهلاتها، وربطها بالأسواق الوطنية.

4. تحدي الثقة والمصداقية

تحتاج السياسات العمومية إلى وقت حتى تحقق آثارها، لكن استمرار التأخر أو غياب التواصل أو عدم وضوح المسؤوليات يمكن أن يضعف الثقة في المؤسسات.

ولهذا، ينبغي أن تكون البرامج مصحوبة بآجال واضحة، ومعلومات منتظمة عن تقدم التنفيذ، وتفسير للصعوبات التي تعترضها، مع اتخاذ إجراءات تصحيحية عند الحاجة.

5. تحدي التوفيق بين الطموح الاقتصادي والاستدامة

إن إطلاق استراتيجيات جديدة في الصناعة والطاقة والتكنولوجيا يقتضي تعبئة موارد مالية وبشرية كبيرة. وفي المقابل، ينبغي الحفاظ على التوازنات المالية والبيئية والاجتماعية.

ويستدعي ذلك ترتيب الأولويات وفق مردودية المشاريع وآثارها بعيدة المدى، وتجنب تشتت الموارد، واعتماد تقييمات دقيقة للمخاطر، وضمان الانسجام بين المشاريع الجديدة والاستراتيجيات القائمة.

الثالث عشر: قراءة تركيبية في الرسائل الأساسية للخطاب

يمكن تصنيف الرسائل الأساسية التي تضمنها الخطاب ضمن خمس دوائر مترابطة.

الدائرة الأولى: الدولة الاستراتيجية. وتتعلق بتطوير الأمن المائي والطاقي والغذائي، وتعزيز الاحتياطات الاستراتيجية، وتسريع الإقلاع الصناعي، والاستثمار في الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.

الدائرة الثانية: الدولة الاجتماعية. وتتمثل في وضع الشباب في صدارة السياسات العمومية، وتحسين فرص التعليم والتأهيل والإدماج الاقتصادي، وربط النمو الاقتصادي بالعدالة الاجتماعية.

الدائرة الثالثة: الدولة الترابية. وتتمحور حول الجهوية المتقدمة، واللاتمركز الإداري، ونقل الصلاحيات والموارد، وتحسين الخدمات العمومية على المستوى المحلي.

الدائرة الرابعة: الدولة المنفتحة ذات السيادة. وتظهر من خلال تأكيد مكانة المغرب كشريك دولي موثوق، والدعوة إلى تطوير التعاون في مجال الهجرة، مع الحفاظ على استقلالية القرار الوطني.

الدائرة الخامسة: الدولة القائمة على المسؤولية. وتتمثل في مطالبة البرلمانيين بتحمل مسؤولياتهم السياسية والأخلاقية، وربط العمل النيابي بانتظارات المواطنين ومصالحهم.

وتكمن أهمية هذه الدوائر في ترابطها. فالأمن الاقتصادي يحتاج إلى استقرار مؤسساتي، والتنمية الاجتماعية تحتاج إلى نمو منتج، والعدالة المجالية تحتاج إلى إدارة فعالة، والثقة في المؤسسات تحتاج إلى نتائج ملموسة، بينما يحتاج الانفتاح الدولي إلى اقتصاد قادر على المنافسة وشراكات قائمة على المصالح المتبادلة.

وبالتالي، فإن الخطاب لا يدعو إلى معالجة كل ملف بصورة منفصلة، بل يفتح المجال أمام تصور تنموي متكامل، تتفاعل فيه السياسات الاقتصادية والاجتماعية والترابية والدبلوماسية.

الرابع عشر: ما الذي ينبغي أن يترجم إليه الخطاب على مستوى السياسات العمومية؟

حتى لا تظل التوجيهات في مستوى المبادئ العامة، فإن تنزيلها يتطلب إجراءات عملية مترابطة.

أولاً، إعداد برامج حكومية واضحة تربط كل أولوية استراتيجية بأهداف قابلة للقياس، وآجال محددة، ومؤسسات مسؤولة عن التنفيذ، ومؤشرات للتقييم.

ثانياً، تسريع نقل الصلاحيات والموارد إلى الجهات والمصالح الخارجية للإدارات، مع وضع آليات واضحة للتنسيق والتعاقد، بما يضمن أن يصبح القرار أقرب إلى المواطن.

ثالثاً، تطوير سياسة تشغيل أكثر ارتباطاً بالاستثمار المنتج، وبحاجات المقاولات، وبالتكوين المهني، مع الاهتمام بجودة فرص الشغل واستدامتها.

رابعاً، وضع الشباب في قلب التخطيط العمومي، عبر تطوير خدمات التوجيه والتكوين والإدماج المهني، وتشجيع المقاولات الناشئة، وتوسيع فرص المشاركة في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

خامساً، تعزيز الأمن المائي والطاقي والغذائي من خلال سياسات استباقية، وتنويع مصادر التزود، وتحسين التخزين، وترشيد الاستهلاك، وتطوير أنظمة الإنذار والاستجابة للأزمات.

سادساً، تقوية دور البرلمان في تقييم السياسات العمومية، وعدم الاقتصار على المصادقة على النصوص القانونية، من خلال متابعة نتائج البرامج ومدى احترام الالتزامات المالية والإدارية.

سابعاً، توسيع نشر المعلومات المتعلقة بالمشاريع العمومية، حتى يتمكن المواطنون من معرفة الأهداف والآجال والنتائج، وتصبح المساءلة جزءاً من الممارسة اليومية للمؤسسات.

ثامناً، تطوير التعاون الدولي على أساس برامج عملية تحقق منافع اقتصادية وتنموية متبادلة، مع اعتماد آليات واضحة لتدبير الخلافات وحماية المصالح الوطنية.

خاتمة: خطاب يضع معيار النجاح في قدرة المؤسسات على تحويل الطموح إلى واقع

إن الخطاب الملكي الموجَّه إلى البرلمان يوم 9 أكتوبر 2026 يضع أمام المغرب مجموعة من الرهانات المترابطة، تتعلق بتعزيز مكانته الاقتصادية، وتقوية سيادته في القطاعات الاستراتيجية، وإعطاء الأولوية للشباب، وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وتطوير فعالية المؤسسات والإدارة، وإعادة تنظيم العلاقة بين الدولة والجهات، وتعزيز مكانة المملكة كشريك دولي موثوق.

وتتمثل إحدى أهم دلالات الخطاب في أنه يربط بين الطموح الاقتصادي والنتائج الاجتماعية، وبين المشاريع الكبرى وضرورة تقريب التنمية من المواطن، وبين الاختصاصات المؤسساتية والمسؤولية عن التنفيذ.

فالرهان الحقيقي ليس فقط في قدرة المغرب على إطلاق مشاريع جديدة أو وضع استراتيجيات طموحة، وإنما في قدرته على ضمان انسجامها، وتعبئة الموارد اللازمة لها، وتوزيع منافعها بصورة منصفة، وتقييم نتائجها بشفافية.

كما أن الدعوة إلى جعل الشباب في صدارة السياسات العمومية تضع مسألة الأمل الاجتماعي والارتقاء الفردي في قلب المشروع التنموي، بينما تعكس الدعوة إلى تفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري أهمية إصلاح طرق اتخاذ القرار وتدبير الخدمات العمومية.

أما على المستوى الخارجي، فإن التشديد على الشراكة والسيادة يبرز ضرورة بناء علاقات دولية قائمة على المصالح المتبادلة والالتزامات الواضحة، مع تطوير التعاون بما يخدم التنمية المشتركة والاستقرار الإقليمي.

وبناءً على ذلك، يمكن اعتبار الخطاب إطاراً توجيهياً لمرحلة تحتاج إلى قدر أكبر من الانسجام بين الاستراتيجيات الوطنية والتنفيذ الميداني، وبين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية، وبين مسؤولية المؤسسات وانتظارات المواطنين.

إن المعيار الحاسم لنجاح هذه المرحلة لن يكون حجم الوعود أو عدد الاستراتيجيات المعلنة، بل مقدار ما يتحقق منها على أرض الواقع: فرص شغل أفضل، وخدمات عمومية أجود، وفوارق مجالية أقل، وإدارة أكثر فعالية، ومؤسسات أكثر استجابة، واقتصاد أكثر قدرة على الصمود والابتكار. عند هذا المستوى تحديداً، يتحول الخطاب من وثيقة للتوجيه السياسي إلى مرجعية عملية لتقييم الأداء العمومي وقياس أثر السياسات التنموية على حياة المغاربة.

تعليقات



الموافقة على ملفات تعريف الارتباط

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط ليقدم لك تجربة تصفح أفضل. باستخدام موقعنا ، فإنك توافق على استخدام ملفات تعريف الارتباط

قراءة المزيد