الصراع بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية: الجذور التاريخية، الأبعاد الإقليمية، والتحولات الاستراتيجية
وآفاق التسوية
مقدمة
يُعدّ الصراع بين جماعة أنصار الله الحوثية والمملكة العربية السعودية أحد أبرز
النزاعات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين، إذ تجاوز حدود المواجهة
العسكرية المباشرة بين طرفين متنازعين ليصبح جزءًا من شبكة معقدة من التنافسات السياسية
والعسكرية والإقليمية، تتداخل فيها أزمة الدولة اليمنية، والتنافس السعودي الإيراني،
وأمن البحر الأحمر ومضيق باب المندب، فضلًا عن المصالح الدولية المرتبطة بأمن الملاحة
البحرية والطاقة والتجارة العالمية.
ولا يمكن فهم هذا الصراع باعتباره مجرد مواجهة مذهبية أو حرب حدودية، لأن جذوره
ترتبط أيضًا بالاختلالات التاريخية في بناء الدولة اليمنية، وتفاوت توزيع السلطة والثروة،
وأزمات الشرعية السياسية، وتنافس القوى المحلية والإقليمية على النفوذ. كما أن تطور المواجهة منذ
عام 2014، ثم التدخل العسكري الذي قادته السعودية سنة 2015، وصولًا
إلى التهدئة السعودية الحوثية التي برزت منذ عام 2022، أظهر
أن القوة العسكرية وحدها لم تتمكن من إنتاج تسوية سياسية شاملة.
وتزداد أهمية دراسة هذا الصراع بالنظر إلى انعكاساته على الأمن القومي السعودي،
واستقرار اليمن، والأوضاع الإنسانية للسكان، وعلى التوازنات الجيوسياسية في شبه الجزيرة
العربية والبحر الأحمر.
وتتمثل الإشكالية المركزية في السؤال الآتي: كيف تحوّل النزاع اليمني
من صراع داخلي على السلطة إلى مواجهة إقليمية بين الحوثيين والسعودية، وما العوامل
التي حالت دون حسمه عسكريًا، وما فرص الانتقال من التهدئة إلى تسوية سياسية مستدامة؟
للإجابة عن هذا السؤال، يتعين تحليل السياقات التاريخية والسياسية والعسكرية للصراع،
وتحديد مصالح الأطراف المختلفة، ثم دراسة نتائجه الإنسانية والاقتصادية، واستشراف السيناريوهات
المحتملة لمستقبله.
أولًا: الجذور التاريخية للصراع
بين الحوثيين والسعودية
1. النشأة المحلية للحركة الحوثية
تعود الجذور الأولى للحركة الحوثية إلى شمال اليمن، ولا سيما محافظة صعدة والمناطق
المجاورة لها، حيث نشأت خلال تسعينيات القرن العشرين في سياق حركة دينية واجتماعية
هدفت إلى إحياء الهوية الزيدية ومواجهة ما اعتبره أنصارها تراجعًا لمكانتها الدينية
والثقافية والسياسية.
والزيدية فرع من المذهب الشيعي له تاريخ طويل في اليمن، ويختلف في جوانب عقدية
وفقهية عن المذهب الاثني عشري السائد في إيران. لذلك، فإن تفسير الحركة الحوثية
باعتبارها مجرد امتداد مذهبي لإيران منذ نشأتها الأولى لا يعكس تعقيد ظروف ظهورها المحلية.
وقد ارتبطت الحركة في مراحلها الأولى بجهود حسين بدر الدين الحوثي، الذي أصبح مرجعًا
فكريًا وسياسيًا لتيارها، قبل أن تتطور إلى حركة مسلحة بعد اندلاع المواجهات بينها
وبين الحكومة اليمنية سنة 2004.
ومنذ ذلك التاريخ، شهدت محافظة صعدة سلسلة من الحروب بين القوات الحكومية والحوثيين،
امتدت حتى عام 2010، وأسهمت في تعميق انعدام الثقة بين الحركة ومؤسسات الدولة. كما وفّرت هذه المواجهات
خبرة قتالية وتنظيمية ساعدت الحوثيين لاحقًا على توسيع نفوذهم.
2. لماذا أصبحت السعودية طرفًا في النزاع؟
لم يبدأ الصراع السعودي الحوثي باعتباره حربًا إقليمية شاملة، بل تطور تدريجيًا
نتيجة تداخل الحدود الجغرافية والاعتبارات الأمنية والسياسية.
تتقاسم السعودية حدودًا طويلة مع اليمن، ولذلك تنظر إلى استقرار المناطق الشمالية
اليمنية باعتباره مسألة مرتبطة مباشرة بأمنها الوطني. كما أن وجود حركة مسلحة قادرة
على تهديد المناطق الحدودية بالصواريخ والطائرات المسيّرة جعل النزاع الداخلي اليمني
مصدر قلق متزايد للرياض.
وتعود إحدى المحطات الحاسمة إلى عام 2009، عندما
تدخلت القوات السعودية عسكريًا ضد الحوثيين عقب امتداد المواجهات إلى المنطقة الحدودية
السعودية. وقد أظهرت هذه المواجهة المبكرة أن النزاع لم يعد محصورًا داخل الأراضي اليمنية،
بل أصبح قابلًا للانتقال إلى المجال الأمني السعودي.
في المقابل، نظر الحوثيون إلى التدخل السعودي باعتباره دعمًا عسكريًا وسياسيًا
لخصومهم، وبدأت تتشكل لديهم رؤية أكثر عدائية تجاه الرياض، باعتبارها طرفًا يسعى إلى
التأثير في مستقبل السلطة اليمنية.
وهكذا، أسهمت المواجهات الحدودية في إنتاج دائرة متبادلة من انعدام الثقة: فالسعودية رأت في تنامي القوة
الحوثية تهديدًا لأمنها، بينما رأى الحوثيون في التدخل السعودي دليلًا على ضرورة تعزيز
قدراتهم العسكرية للحفاظ على نفوذهم.
3. ثورة 2011
وانهيار التوازن السياسي اليمني
شكّلت احتجاجات عام 2011
نقطة تحول أساسية في تاريخ اليمن. فقد أدت الانتفاضة الشعبية ضد الرئيس علي عبد الله صالح إلى انتقال سياسي لم ينجح
في معالجة جميع الاختلالات البنيوية للدولة.
كان اليمن يعاني من أزمات متراكمة، شملت ضعف المؤسسات، والانقسامات العسكرية والقبلية،
والتفاوت الاقتصادي، وتنافس القوى السياسية على السلطة. كما لم تنجح المرحلة الانتقالية
في بناء توافق وطني مستقر بشأن توزيع الصلاحيات والثروة وشكل الدولة.
استغل الحوثيون هذه المرحلة لتوسيع نفوذهم السياسي والعسكري، مستفيدين من ضعف الحكومة
والانقسامات بين خصومهم. كما دخلوا في تفاهمات وتحالفات متغيرة مع أطراف يمنية مختلفة، بما فيها قوى كانت
قد تنافست معهم سابقًا.
وفي سبتمبر 2014، سيطر الحوثيون على العاصمة صنعاء، ثم توسع نفوذهم في مؤسسات
الدولة ومناطق أخرى. وأدى ذلك إلى انهيار جزء كبير من الترتيبات الانتقالية، وتصاعد المواجهة مع الحكومة
المعترف بها دوليًا.
كانت هذه التطورات نقطة فاصلة بالنسبة للسعودية؛ إذ لم تعد المسألة تتعلق بحركة
مسلحة محلية في محافظة حدودية، بل بسلطة مسلحة تسيطر على العاصمة اليمنية، وتتمتع بعلاقات
متنامية مع إيران، وقادرة على التأثير في توازنات شبه الجزيرة العربية.
ثانيًا: التدخل العسكري السعودي عام
2015
وتحول النزاع إلى حرب إقليمية
1. دوافع إطلاق عملية "عاصفة الحزم"
في 26
مارس 2015، قادت السعودية تحالفًا عسكريًا تدخل في اليمن دعمًا للرئيس
عبد ربه منصور هادي، بعد تقدم الحوثيين وحلفائهم وسيطرتهم على مناطق واسعة من البلاد.
يمكن تفسير القرار السعودي من خلال مجموعة من الاعتبارات المتداخلة:
·
الاعتبار الأمني: منع تشكل سلطة مسلحة معادية
على الحدود الجنوبية للسعودية، والحد من قدرة الحوثيين على استهداف الأراضي السعودية.
·
الاعتبار السياسي: دعم الحكومة اليمنية المعترف
بها دوليًا، ومحاولة إعادة تشكيل ميزان القوى الداخلي.
·
الاعتبار الإقليمي: الحد من اتساع النفوذ الإيراني
في اليمن، في ظل التنافس السعودي الإيراني على النفوذ في المنطقة.
·
الاعتبار الاستراتيجي: منع تحول اليمن إلى مصدر
تهديد دائم للممرات البحرية والمصالح الاقتصادية والأمنية الخليجية.
من وجهة النظر السعودية، كان التدخل وسيلة لمنع انهيار السلطة الحليفة للرياض واحتواء
قوة مسلحة ترى فيها تهديدًا استراتيجيًا. أما الحوثيون، فقد اعتبروا
التدخل حربًا خارجية تستهدف سيادتهم ومواقعهم، واستخدموا هذه الرواية في تعبئة أنصارهم
وتبرير استمرار القتال.
لكن اختلاف الروايتين لا يلغي حقيقة أن التدخل العسكري أدى إلى توسيع نطاق الحرب،
وأن العمليات الجوية والقتال البري والقيود المفروضة على الحركة والتجارة ساهمت في
تعميق الأزمة الإنسانية اليمنية.
2. لماذا لم تحقق الحملة العسكرية أهدافها السياسية كاملة؟
رغم التفوق الجوي والتكنولوجي للتحالف الذي قادته السعودية، لم تؤدِ العمليات العسكرية
إلى إنهاء سيطرة الحوثيين على صنعاء أو استعادة سلطة الحكومة المعترف بها دوليًا في
جميع المناطق.
ويعود ذلك إلى عدة عوامل:
أولها، أن الحوثيين كانوا يمتلكون جذورًا اجتماعية وتنظيمية في شمال اليمن، إلى
جانب خبرة قتالية تراكمت خلال سنوات من المواجهة مع الحكومة اليمنية.
وثانيها، أن طبيعة الجغرافيا اليمنية، بما فيها المناطق الجبلية والطرق الوعرة،
حدّت من قدرة التفوق الجوي على تحقيق حسم سياسي على الأرض.
وثالثها، أن المعسكر المناهض للحوثيين لم يكن كتلة موحدة؛ فقد ضم قوى سياسية وعسكرية
متباينة المصالح، بعضها يرتبط بالسعودية، وبعضها بالإمارات، فيما سعى بعض الفاعلين
الجنوبيين إلى تحقيق أهداف تتجاوز استعادة الحكومة المركزية.
ورابعها، أن الحرب لم تكن مواجهة عسكرية تقليدية فحسب، بل صراعًا على مؤسسات الدولة
والموارد المحلية وشبكات النفوذ والشرعية السياسية.
وبمرور الوقت، تطورت القدرات العسكرية الحوثية، بما في ذلك استخدام الصواريخ والطائرات
المسيّرة. كما ساهم الدعم الإيراني في تعزيز قدراتهم في مجالات التسليح والخبرة الفنية، وإن
كان حجم الدعم وطبيعته قد اختلفا بحسب المرحلة ونوع السلاح. وتشير تحليلات متخصصة إلى
أن العلاقة بين الطرفين لا تلغي قدرة الحوثيين على اتخاذ قرارات تتصل بمصالحهم المحلية
الخاصة.
والنتيجة أن الحرب كشفت عن فجوة بين التفوق العسكري والقدرة على إنتاج نظام سياسي
مستقر. فقد أمكن إلحاق أضرار كبيرة بالبنية العسكرية والاقتصادية، لكن ذلك لم ينهِ قدرة
الحوثيين على البقاء كقوة منظمة ومؤثرة.
ثالثًا: طبيعة الصراع وأبعاده الجيوسياسية
1. الصراع السعودي الحوثي: مواجهة حدودية أم تنافس إقليمي؟
من الخطأ اختزال الصراع في بعد واحد، لأنه يجمع بين أربعة مستويات مترابطة.
البعد الأمني والعسكري
تسعى السعودية إلى حماية حدودها ومنشآتها الحيوية من الصواريخ والطائرات المسيّرة،
بينما يعتمد الحوثيون على قدراتهم العسكرية للردع، ومقاومة خصومهم، وفرض شروطهم في
أي مفاوضات.
البعد السياسي اليمني
يرتبط النزاع بمستقبل السلطة في اليمن، وموقع الحوثيين في مؤسسات الدولة، ومستقبل
الحكومة المعترف بها دوليًا، وتوزيع الصلاحيات بين المركز والمناطق، ومشاركة بقية القوى
اليمنية في التسوية.
البعد الإقليمي
يشكل الدعم الإيراني للحوثيين أحد عناصر التوازن الاستراتيجي، فيما تسعى الرياض
إلى الحد من المخاطر الناشئة عن وجود قوة مسلحة مرتبطة بشبكة تحالفات إقليمية منافسة
لها.
البعد البحري والدولي
يجعل موقع اليمن بالقرب من مضيق باب المندب والبحر الأحمر أي تصعيد عسكري قضية
تتجاوز البلدين، بسبب تأثيره في حركة السفن والتجارة الدولية وأسعار التأمين والنقل
والطاقة.
تكمن أهمية هذا التعدد في أن معالجة جانب واحد لا تكفي لإنهاء الحرب. فالاتفاق على وقف الهجمات
الحدودية، مثلًا، لا يحسم تلقائيًا الخلاف حول شكل الدولة اليمنية، كما أن التفاهم
السعودي الإيراني لا يضمن وحده التوصل إلى اتفاق بين الحوثيين وبقية القوى اليمنية.
2. البعد المذهبي وحدود التفسير الطائفي
تُستخدم الاختلافات المذهبية أحيانًا لتفسير المواجهة بين السعودية والحوثيين،
لكن هذا التفسير يظل غير كافٍ.
فالسعودية دولة ذات أغلبية سنية، والحوثيون ينتمون إلى البيئة الزيدية اليمنية،
غير أن الصراع لا يدور فقط حول الاختلاف الديني. لقد نشأ في سياق نزاعات على
السلطة والهوية المحلية والعلاقة بين المركز والأطراف، ثم اكتسب أبعادًا إقليمية ومذهبية
أكثر وضوحًا مع توسع الحرب.
كما أن التحالفات السياسية في اليمن لم تكن دائمًا قائمة على الانتماء المذهبي؛
فقد دخلت أطراف متباينة في تحالفات مؤقتة عندما تلاقت مصالحها، ثم تصادمت عندما تغيرت
تلك المصالح.
لذلك، فإن اعتبار الحرب مواجهة مذهبية خالصة يؤدي إلى إغفال دور مؤسسات الدولة،
والاقتصاد السياسي للنزاع، والتنافس على الموارد، وتعدد مراكز القوة داخل اليمن.
3. العلاقة بين الحوثيين وإيران: دعم استراتيجي واستقلال في
القرار
يمثل العامل الإيراني عنصرًا مهمًا في فهم تطور القوة الحوثية. فقد تطورت العلاقات بين الطرفين
على خلفية تقارب المصالح السياسية والعداء المشترك للولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية
في مراحل مختلفة، إضافة إلى التعاون في مجالات عسكرية وتقنية.
وتشير تقارير وتحليلات متخصصة إلى أن إيران وفرت للحوثيين دعمًا شمل نقل أسلحة
وخبرات وتكنولوجيا مرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيّرة. وقد أسهم ذلك في توسيع نطاق
التهديد الذي يمكن أن تمثله الجماعة خارج حدود اليمن.
لكن توصيف الحوثيين باعتبارهم مجرد أداة إيرانية يتجاهل عوامل أساسية، منها نشأتهم
المحلية، وقاعدتهم الاجتماعية، ومصالح قيادتهم في الاحتفاظ بالسلطة داخل اليمن.
والأدق هو فهم العلاقة باعتبارها شراكة استراتيجية غير متكافئة، تتلاقى فيها المصالح
مع وجود هامش من الاستقلال في القرار. وتختلف درجة هذا الاستقلال بحسب طبيعة الملف والظروف العسكرية والسياسية.
ومن المنظور السعودي، تكمن المشكلة في أن الحوثيين لا يمثلون خصمًا محليًا فقط،
بل طرفًا يستطيع الاستفادة من دعم إقليمي لتطوير وسائل ضغط عسكرية على المملكة. ومن منظور الحوثيين، يوفر
التقارب مع إيران موارد وقدرات تعزز موقفهم في مواجهة خصوم محليين وإقليميين.
وهنا تتشكل إحدى معضلات التسوية: فكلما ازدادت القدرات العسكرية الحوثية، أصبح من الصعب تجاهل الجماعة في أي اتفاق
سياسي؛ لكن استمرار الهجمات والارتباطات العسكرية الإقليمية يزيد في المقابل المخاوف
السعودية من أن تتحول التهدئة إلى مجرد توقف مؤقت للقتال.
رابعًا: تطور المواجهة من الحرب المفتوحة
إلى التهدئة ثم التصعيد مجددًا
يمكن تقسيم تطور الصراع إلى مراحل رئيسية، مع الانتباه إلى أن الحدود الزمنية بينها
تقريبية وأن بعض المسارات تداخلت.
|
المرحلة |
أبرز التطورات |
الدلالة الاستراتيجية |
|
2004–2010 |
الحروب بين الحوثيين والحكومة اليمنية، مع تدخل سعودي مباشر في المواجهة الحدودية
عام 2009 |
تحول الحركة من تمرد محلي إلى قوة قتالية أكثر خبرة |
|
2011–2014 |
الانتقال السياسي المضطرب ثم سيطرة الحوثيين على صنعاء |
اتساع النزاع من صعدة إلى مركز السلطة اليمنية |
|
2015–2021 |
التدخل العسكري بقيادة السعودية، واستمرار الحرب والهجمات العابرة للحدود |
تعذر الحسم العسكري رغم اتساع نطاق العمليات |
|
2022–2023 |
هدنة برعاية الأمم المتحدة، ثم جهود للتوصل إلى خريطة طريق سياسية |
انخفاض نسبي في المواجهات المباشرة وظهور فرص للتفاوض |
|
2024–2025 |
تزايد ارتباط الملف اليمني بأمن البحر الأحمر والتصعيد الإقليمي |
انتقال جانب من المواجهة إلى المجال البحري والدولي |
|
2026 |
تجدد الهجمات والتصعيد العسكري، ثم تحذير الأمم المتحدة من العودة إلى حرب واسعة
في أكتوبر |
تراجع المكاسب التي أتاحتها التهدئة وازدياد خطر اتساع الحرب |
1. هدنة 2022:
فرصة لم تتحول إلى سلام شامل
شكّلت الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022 محطة مهمة؛ فقد ساعدت على
خفض حدة المواجهات في جبهات رئيسية، وفتحت المجال أمام اتصالات ومفاوضات بشأن وقف دائم
لإطلاق النار وترتيبات اقتصادية وإنسانية.
ومع أن الهدنة انتهت رسميًا في أكتوبر 2022، استمر
قدر من الهدوء النسبي في عدد من الجبهات بعدها. كما جرت اتصالات مباشرة بين
السعودية والحوثيين، بمساعدة عُمانية، بحثت وقف الهجمات الحدودية، وترتيبات دفع الرواتب،
وفتح الطرق والموانئ، ومستقبل العملية السياسية.
غير أن التهدئة لم تتحول إلى اتفاق شامل يحدد شكل الحكم في اليمن، ويضمن مشاركة
القوى السياسية المختلفة، ويعالج قضايا السلاح والإيرادات والموارد.
وقد أوضح المبعوث الأممي إلى اليمن في إحاطته خلال أغسطس 2026 أن مسار خريطة الطريق تعثر
بعد تصاعد التوترات الإقليمية منذ 2023، وأن استمرار الهدوء دون تقدم سياسي لم يكن قابلًا للاستمرار
إلى أجل غير محدد.
2. البحر الأحمر يوسّع نطاق المواجهة
أدى تصاعد الهجمات الحوثية على السفن التجارية في البحر الأحمر خلال السنوات الأخيرة
إلى ربط النزاع اليمني بأمن الملاحة الدولية بصورة أكثر مباشرة.
فمضيق باب المندب يمثل نقطة استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي،
وتمر عبره حركة تجارية مهمة بين آسيا وأوروبا. ولذلك، فإن تهديد السفن أو
تغيير مساراتها يرفع تكاليف الشحن والتأمين، وقد يطيل زمن وصول البضائع ويؤثر في سلاسل
الإمداد.
كما أن هذا البعد يمنح الحوثيين قدرة على نقل المواجهة من الحدود البرية إلى مجال بحري ذي أهمية دولية. لكنه ينطوي على مخاطر أيضًا؛ إذ إن استهداف الملاحة قد يؤدي إلى تدخلات عسكرية خارجية، ويزيد عزلة اليمن الاقتصادية، ويجعل التسوية أكثر تعقيدًا.
ومن هنا، لا يمكن فصل أمن الحدود السعودية عن أمن البحر الأحمر، وإن كان لكل منهما
حساباته وأدواته المختلفة.
3. تطورات أكتوبر 2026:
عودة خطر الحرب الواسعة
بحسب إحاطة المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن أمام مجلس الأمن في 9 أكتوبر 2026، عاد
اليمن خلال الأسابيع السابقة إلى مواجهات واسعة على جبهات متعددة، بعد تقدم الحوثيين
باتجاه المخا والساحل القريب من باب المندب، واشتداد القتال غرب تعز وجنوبها، وامتداده
إلى مناطق في لحج ومأرب والجوف وحجة. كما أشار المبعوث إلى استمرار الضربات الجوية والهجمات الحوثية التي طالت بنى تحتية
مدنية وقطاع الطاقة داخل السعودية، بما في ذلك مطارا أبها والملك خالد الدولي في الرياض،
مع سقوط قتلى وجرحى مدنيين.
وكان مجلس الأمن قد أدان في بيان صدر في 18 سبتمبر 2026 الهجمات الحوثية على السعودية،
بما فيها الهجمات التي طالت منشآت مدنية وقطاع الطاقة، كما شدد على ضرورة حماية السفن
التجارية وحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأنها تشير إلى أن النزاع لم يعد في مرحلة تهدئة
مستقرة، بل دخل مجددًا في مسار تصعيد يهدد بتوسيع المواجهة بين الحوثيين والسعودية.
ومن الناحية التحليلية، تكشف هذه العودة إلى القتال عن ثلاث حقائق:
·
هشاشة التهدئة: لم تكن التفاهمات السابقة
مدعومة بتسوية سياسية شاملة وآليات كافية لمنع التصعيد.
·
تداخل الجبهات: أصبح القتال داخل اليمن،
والهجمات على السعودية، وتهديد الملاحة البحرية، عناصر متصلة في معادلة أمنية واحدة.
·
تراجع هامش المناورة الدبلوماسية: كلما ارتفعت الخسائر المدنية
واتسع نطاق الهجمات، أصبح من الأصعب على الأطراف تبرير التنازلات أمام قواعدها السياسية
والعسكرية.
وهذا لا يعني أن الحل الدبلوماسي أصبح مستحيلًا، لكنه يعني أن أي تسوية جديدة ستحتاج
إلى وقف التصعيد على أكثر من جبهة، وإلى ضمانات عملية تتجاوز التصريحات السياسية.
خامسًا: الأهداف الاستراتيجية لكل
طرف وحدود التفاوض
1. الأهداف السعودية
لا يمكن فهم السياسة السعودية تجاه الحوثيين من خلال هدف عسكري واحد، إذ تجمع بين
اعتبارات أمنية وسياسية واقتصادية وإقليمية.
أولًا: تأمين الحدود والمنشآت الحيوية. تسعى الرياض إلى منع الهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، وتقليل احتمالات استهداف
المطارات والمنشآت النفطية والبنية التحتية المدنية.
ثانيًا: منع تحول اليمن إلى مصدر تهديد دائم. ترغب السعودية في قيام ترتيبات
سياسية وأمنية تمنع استخدام الأراضي اليمنية لشن هجمات عليها، وتحد من انتقال الأسلحة
المتطورة إلى الجماعات المسلحة القريبة من حدودها.
ثالثًا: خفض كلفة الحرب. استمرار النزاع يفرض أعباء أمنية وعسكرية واقتصادية، ويزيد من مخاطر عدم الاستقرار
على الحدود الجنوبية. كما أن التهدئة تتيح للرياض التركيز على أولوياتها الاقتصادية والتنموية.
رابعًا: دعم تسوية سياسية قابلة للاستمرار. لا يكفي من المنظور السعودي وقف الهجمات لفترة قصيرة؛ بل يتطلب الاستقرار وجود
ترتيبات تضمن عدم عودة المواجهة، إلى جانب معالجة مستقبل الحكومة اليمنية ومؤسسات الدولة.
لكن هذه الأهداف قد تتعارض في التطبيق. فالتفاوض مع الحوثيين قد
يساعد على حماية الحدود، لكنه يثير تساؤلات حول مدى قدرة أي اتفاق ثنائي على معالجة
قضايا اليمن الداخلية، وحول الضمانات التي يمكن أن تمنع استئناف الهجمات مستقبلًا.
2. الأهداف الحوثية
في المقابل، تتمحور حسابات الحوثيين حول الحفاظ على السلطة وتوسيع الاعتراف بدورهم
السياسي، مع الاحتفاظ بقدرات عسكرية تمنحهم نفوذًا في أي مفاوضات.
وتشمل أهدافهم الأساسية:
·
تثبيت سيطرتهم على صنعاء
ومناطق أخرى خاضعة لنفوذهم.
·
الحصول على اعتراف سياسي
بدورهم في أي تسوية وطنية.
·
معالجة ملفات الرواتب والموانئ
والقيود على الحركة والتجارة، وفق الشروط التي يطرحونها.
·
الاحتفاظ بوسائل ردع عسكرية
تمنع خصومهم من فرض تسوية بالقوة.
·
توظيف موقع اليمن الجغرافي
وقدراتهم العسكرية لتعزيز حضورهم الإقليمي.
ويظهر هنا تناقض جوهري: فالسعودية تحتاج إلى ضمانات أمنية تحد من التهديد الحوثي، بينما قد يعتبر الحوثيون
بعض القيود العسكرية أو الأمنية مساسًا بموقعهم التفاوضي وقدرتهم على حماية سلطتهم.
ولهذا السبب، فإن التوصل إلى اتفاق لا يتوقف فقط على التوافق بشأن وقف إطلاق النار،
بل يتطلب تفاهمًا حول العلاقة بين القوة العسكرية والسلطة السياسية، وضمانات متبادلة
بشأن تنفيذ الالتزامات.
سادسًا: الأبعاد الإنسانية والاقتصادية
للصراع
1. المدنيون في قلب الأزمة
يُعدّ السكان المدنيون الطرف الأكثر تضررًا من استمرار الحرب. فقد أدى النزاع الممتد منذ
سنوات إلى تراجع الخدمات الصحية والتعليمية، وتضرر البنية التحتية، وتفاقم النزوح والفقر
وانعدام الأمن الغذائي.
ولا تقتصر المسؤولية عن آثار الحرب على طرف واحد بمعزل عن بقية الأطراف؛ فالقصف
والاشتباكات، والقيود التي تعطل وصول المساعدات، والاضطرابات الاقتصادية، والانتهاكات
التي يرتكبها أطراف النزاع، كلها عوامل تسهم في تعميق المعاناة.
وفي يوليو 2026، حذّر المبعوث الأممي من أن استئناف الهجمات البحرية والتصعيد
الإقليمي قد يدفع اليمن إلى مواجهة أوسع، في بلد يحتاج فيه ملايين الأشخاص إلى المساعدة
الإنسانية.
2. الاقتصاد اليمني بوصفه ساحة للصراع
لا يمكن فصل الحرب العسكرية عن الاقتصاد السياسي للنزاع. فقد أصبحت الإيرادات العامة،
والموارد النفطية، والموانئ، والجمارك، والضرائب، ودفع رواتب الموظفين، ملفات متداخلة
مع المفاوضات السياسية.
ويؤدي انقسام المؤسسات المالية والإدارية إلى إضعاف قدرة الدولة على توفير الخدمات
الأساسية، كما أن اختلاف السلطات المحلية في إدارة الموارد والسياسات النقدية يزيد
من التفاوت الاقتصادي بين المناطق.
وتؤدي اضطرابات الملاحة في البحر الأحمر إلى مخاطر إضافية على الاقتصاد اليمني،
الذي يعتمد على التجارة الخارجية واستيراد نسبة كبيرة من احتياجاته الأساسية.
أما السعودية، فتواجه بدورها تكاليف مرتبطة بحماية الحدود والمنشآت الحيوية، فضلًا
عن المخاطر التي قد تترتب على أي تصعيد واسع في محيطها الجنوبي.
وبالتالي، فإن استمرار الحرب يفرض خسائر تتجاوز الإنفاق العسكري المباشر، لتشمل
الاستثمار والتجارة والاستقرار الاجتماعي وفرص التنمية.
3. البعد القانوني والإنساني
تخضع جميع أطراف النزاع لالتزامات القانون الدولي الإنساني، بما فيها قواعد التمييز
بين المدنيين والمقاتلين، والتناسب في الهجمات، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية السكان.
كما أن استهداف المدنيين أو المنشآت المدنية المحمية، والهجمات العشوائية، وعرقلة
وصول المساعدات الإنسانية بصورة غير مشروعة، تثير مسائل قانونية خطيرة، ويجب تقييم
كل حادثة بناءً على الأدلة والظروف المحددة.
وتبرز أهمية هذه القواعد بصورة خاصة في الهجمات التي تطال المطارات والمنشآت النفطية
والسفن التجارية. فحتى عندما يقدم أحد الأطراف مبررات عسكرية أو سياسية لعملياته، لا يؤدي ذلك تلقائيًا
إلى إعفائه من التزاماته القانونية.
إن حماية المدنيين ليست مسألة ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد التسوية، بل شرط
أساسي لتقليل الخسائر وتهيئة بيئة تسمح باستعادة الثقة بين المجتمعات المتضررة.
سابعًا: دور القوى الإقليمية والدولية
في الصراع
1. إيران: توسيع النفوذ والضغط الاستراتيجي
تستفيد إيران من علاقاتها مع الحوثيين في توسيع حضورها الإقليمي، وفي امتلاك شريك
قادر على التأثير في أمن السعودية والبحر الأحمر.
لكن حجم هذا التأثير لا ينبغي أن يُفهم على أنه سيطرة كاملة على جميع قرارات الحوثيين. فالعلاقة تتأثر أيضًا بمصالح
الجماعة داخل اليمن، وبحساباتها السياسية والعسكرية المحلية.
وتكمن خطورة هذا الارتباط في إمكانية انتقال التوتر بين إيران وخصومها إلى الساحة
اليمنية، ما يجعل أي مواجهة إقليمية أوسع عاملًا قد يعطل جهود التسوية.
2. سلطنة عُمان: الوساطة وقنوات الاتصال
أدت سلطنة عُمان دورًا مهمًا في تسهيل الاتصالات بين الحوثيين والسعودية، مستفيدة
من علاقاتها الإقليمية وقدرتها على التواصل مع أطراف متباينة.
وتكتسب الوساطة العُمانية أهمية لأنها توفر قناة للتفاوض حتى عندما تتراجع الثقة
أو تتعثر الاتصالات المباشرة.
غير أن نجاح الوساطة لا يعتمد على فتح قنوات الاتصال فقط، بل على استعداد الأطراف
لتقديم تنازلات متبادلة، وعلى وجود آليات عملية لتنفيذ الاتفاقات ومراقبتها.
3. الأمم المتحدة: التهدئة وبناء المسار السياسي
تسعى الأمم المتحدة إلى خفض التصعيد، واستئناف المفاوضات، والتوصل إلى تسوية سياسية
شاملة بقيادة يمنية.
وقد شدد المبعوث الأممي في مشاوراته بالرياض ومسقط في يوليو 2026 على ضرورة الحفاظ على المكاسب
التي حققتها هدنة 2022، ومنع انجرار اليمن إلى التصعيد الإقليمي الأوسع.
لكن دور الأمم المتحدة يظل مرتبطًا بمدى تعاون الأطراف وقدرتها على الالتزام بتفاهمات
مشتركة. فالأمم المتحدة تستطيع تيسير المفاوضات وتقديم المقترحات والمساعدة في بناء آليات
التنفيذ، لكنها لا تستطيع بمفردها فرض تسوية سياسية دائمة على الأطراف المتحاربة.
4. الولايات المتحدة والقوى الغربية
تتداخل مصالح الولايات المتحدة وبريطانيا ودول أخرى مع أمن الملاحة البحرية، وحماية
السفن التجارية، ومواجهة الهجمات التي تهدد المصالح الدولية.
وقد يؤدي التدخل العسكري الخارجي إلى الحد من بعض القدرات الهجومية، لكنه قد يؤدي
أيضًا إلى توسيع دائرة المواجهة إذا تحول إلى حملة طويلة الأمد أو ارتبط بصراع إقليمي
أوسع.
لذلك، يظل هناك فرق بين معالجة التهديد البحري بصورة محددة وبين حل النزاع اليمني
بأبعاده السياسية والاجتماعية والاقتصادية. فالأول يمكن أن يعتمد على
إجراءات أمنية وعسكرية، أما الثاني فيحتاج إلى تسوية سياسية داخلية وإقليمية.
ثامنًا: لماذا يصعب الوصول إلى تسوية
نهائية؟
يمكن تفسير تعثر التسوية من خلال خمسة عوامل رئيسية.
1. غياب الثقة المتبادلة: يخشى كل طرف أن يستغل الآخر فترة الهدوء لتحسين موقعه العسكري أو السياسي، ما يدفعه
إلى الاحتفاظ بأدوات الضغط بدلًا من التخلي عنها.
2. تعدد أطراف النزاع اليمني: لا تنحصر الأزمة في السعودية والحوثيين؛ فهناك الحكومة المعترف بها دوليًا، وقوى
سياسية وعسكرية محلية، ومكونات جنوبية، وتشكيلات قبلية ومناطقية. ولذلك، قد لا يكون الاتفاق
الثنائي كافيًا لإنتاج سلام وطني شامل.
3. ارتباط الملف اليمني بالتنافس الإقليمي: يمكن لأي تصعيد بين السعودية
وإيران أو بين قوى إقليمية ودولية أخرى أن يؤثر في مسار المفاوضات، حتى إذا لم تكن
جذور الأزمة اليمنية مرتبطة مباشرة بذلك التصعيد.
4. الخلاف حول السلاح والسلطة: تتعلق التسوية النهائية بمسائل صعبة، منها مستقبل القوات المسلحة، ودمج التشكيلات
العسكرية، وتوزيع الموارد، وشكل الدولة، وضمانات مشاركة الأطراف في المؤسسات السياسية.
5. غياب آليات تنفيذ موثوقة: لا يكفي الإعلان عن وقف إطلاق النار؛ بل يجب تحديد كيفية مراقبته، والتعامل مع
الخروقات، وضمان تدفق المساعدات، وإدارة الموارد العامة، وتسوية الخلافات قبل تحولها
إلى مواجهات جديدة.
وتزداد هذه الصعوبات في ضوء التصعيد المسجل خلال عام 2026، والذي
دفع الأمم المتحدة إلى التحذير من العودة إلى الحرب الواسعة. وهذا يعني أن استعادة الهدوء
السابق تتطلب معالجة أسباب الانهيار، لا مجرد إعادة إعلان هدنة مشابهة.
تاسعًا: السيناريوهات المحتملة لمستقبل
الصراع
لا يمكن الجزم بمسار واحد للمواجهة، لكن يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات تحليلية تستند
إلى طبيعة النزاع وتوازنات القوى الراهنة.
السيناريو الأول: العودة إلى التهدئة والتفاوض
يقوم هذا السيناريو على وقف الهجمات عبر الحدود، وخفض التصعيد البحري، واستئناف
الوساطة العُمانية والأممية، والاتفاق على إجراءات إنسانية واقتصادية تمهد لتفاوض سياسي
أوسع.
شروطه: وجود ضمانات متبادلة، والتزام واضح بوقف الهجمات، وإشراك القوى اليمنية الرئيسية
في مسار التسوية.
حدوده: قد تتحول التهدئة إلى توقف مؤقت للقتال إذا لم تُعالج قضايا السلطة والسلاح والموارد.
السيناريو الثاني: استمرار المواجهة المتقطعة
يستمر القتال في بعض الجبهات، مع تبادل الهجمات الصاروخية والمسيّرة، وتراجع محدود
في حدة المواجهة في فترات معينة دون التوصل إلى اتفاق شامل.
شروط استمراره: عجز الأطراف عن الاتفاق على ترتيبات أمنية وسياسية، مع احتفاظها بقدرات عسكرية
تسمح لها بمواصلة الضغط.
نتيجته المحتملة: استنزاف اقتصادي وإنساني مستمر، وبقاء مخاطر التصعيد على الحدود السعودية والممرات
البحرية.
السيناريو الثالث: اتساع الحرب إقليميًا
يتوسع نطاق المواجهة نتيجة استمرار الهجمات على السعودية أو السفن التجارية، أو
بسبب تداخل الحرب اليمنية مع صراع إقليمي أوسع.
عوامل الخطر: استهداف منشآت مدنية أو استراتيجية، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا، واتساع العمليات
العسكرية الخارجية، وانهيار قنوات الاتصال.
نتيجته المحتملة: ارتفاع الخسائر البشرية والاقتصادية، وزيادة اضطراب الملاحة والتجارة، وتراجع فرص
التسوية السياسية.
هذه السيناريوهات ليست تنبؤات حتمية، ولا يمكن تحديد احتمالاتها بدقة. وهي توضح أن مستقبل الصراع
يعتمد على القرارات السياسية والعسكرية للأطراف، وعلى قدرتها على الفصل بين الخلافات
اليمنية الداخلية والتنافس الإقليمي الأوسع.
عاشرًا: ما الشروط الضرورية لإنهاء
الصراع؟
إن إنهاء المواجهة بين الحوثيين والسعودية يتطلب مسارًا متعدد المستويات، لا يقتصر
على التفاوض بشأن الحدود أو الهجمات العسكرية.
1. وقف شامل للهجمات: يشمل الهجمات العابرة للحدود، والهجمات التي تستهدف المدنيين والبنية التحتية المحمية،
والاعتداءات على السفن التجارية، مع آلية للتحقق من الالتزام.
2. ضمانات أمنية متبادلة: ينبغي أن تتضمن التفاهمات ترتيبات قابلة للتحقق تمنع استخدام الأراضي اليمنية لشن
هجمات على السعودية، مع معالجة المخاوف الأمنية لجميع الأطراف وفق القانون الدولي.
3. تسوية يمنية شاملة: لا بد من إشراك القوى السياسية والمكونات المحلية في حوار يحدد شكل الحكم، وتقاسم
السلطة، وتوزيع الإيرادات، وضمان التمثيل السياسي.
4. معالجة الملفات الاقتصادية والإنسانية: يشمل ذلك رواتب الموظفين،
وفتح الطرق، وتسهيل دخول السلع والمساعدات، وإعادة تأهيل الخدمات الأساسية، ودعم المؤسسات
الاقتصادية.
5. مسار تدريجي لمعالجة التشكيلات المسلحة: ينبغي التوصل إلى ترتيبات
بشأن وقف التجنيد والتصعيد، ومستقبل القوات المسلحة، وضمانات الأمن المحلي، ضمن عملية
سياسية متفق عليها.
6. دور إقليمي داعم: من المهم أن تسهم السعودية وإيران وعُمان وغيرها من الأطراف المعنية في توفير بيئة
تساعد على تنفيذ التسوية، بدلًا من استخدام اليمن ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية.
7. آليات للمساءلة وبناء الثقة: يتطلب السلام المستدام معالجة الانتهاكات، وحماية المدنيين، وتبادل المعلومات بشأن
الحوادث، ووضع إجراءات واضحة للتعامل مع أي خرق للاتفاق.
ولا يعني ذلك أن تنفيذ هذه الخطوات سيكون سهلًا أو سريعًا؛ فالتجربة السابقة تشير
إلى أن الاتفاقات الأمنية قد تتعثر إذا لم تترافق مع معالجة جذور الأزمة السياسية والاقتصادية.
خاتمة: من منطق الحرب إلى معادلة
الأمن والسلام
يكشف الصراع بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية عن حدود القوة العسكرية في
معالجة النزاعات المعقدة. فمنذ الحروب الأولى في صعدة، مرورًا بالتدخل السعودي عام 2009، ثم
سيطرة الحوثيين على صنعاء عام 2014
والتدخل العسكري الواسع سنة 2015، تغيرت طبيعة المواجهة بصورة مستمرة، وانتقلت من نزاع محلي
إلى صراع يتداخل فيه الأمن الحدودي بالتنافس الإقليمي والملاحة البحرية.
وقد أظهرت سنوات الحرب أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة تحقيق الأهداف السياسية،
وأن امتلاك الحوثيين قدرات عسكرية متطورة لا يعني قدرتهم على معالجة الأزمات الاقتصادية
والمؤسساتية التي تواجه المناطق الخاضعة لسلطتهم أو تحقيق استقرار وطني شامل.
كما أثبتت تجربة التهدئة منذ 2022
أن خفض المواجهة العسكرية ممكن، لكنه لا يكفي بمفرده لبناء سلام دائم. فغياب التسوية السياسية،
واستمرار الخلافات بشأن الموارد والسلطة والسلاح، وارتباط الملف اليمني بالتوترات الإقليمية،
جعلت الهدوء هشًا وقابلًا للانهيار.
وتكتسب التطورات المسجلة في أكتوبر 2026 أهمية خاصة، لأن تحذيرات
الأمم المتحدة من العودة إلى حرب واسعة تشير إلى أن المنطقة تواجه مرحلة جديدة من عدم
اليقين. ولا تقتصر مخاطر هذه المرحلة على اليمن والسعودية، بل تمتد إلى البحر الأحمر والتجارة
الدولية والاستقرار الإقليمي.
إن المخرج المستدام لا يكمن في استمرار الحرب إلى أجل غير محدد، ولا في الاكتفاء
بوقف مؤقت لإطلاق النار، بل في بناء ترتيبات سياسية وأمنية واقتصادية تعالج المخاوف
السعودية، وتحدد موقع الحوثيين داخل تسوية يمنية أوسع، وتضمن مشاركة بقية القوى اليمنية،
وتحمي السكان المدنيين من تبعات الصراع.
وبذلك، فإن الاختبار الحقيقي أمام الأطراف لا يتمثل فقط في قدرتها على مواصلة القتال
أو فرض شروطها، بل في قدرتها على تحويل التوازن العسكري القائم إلى اتفاق قابل للتنفيذ،
يحد من التهديدات العابرة للحدود، ويعيد لليمن فرصة استعادة مؤسساته واستقراره.


