الانتخابات التشريعية بالمغرب والتحالفات الحكومية: تجانس البرامج الحزبية، الإكراهات السياسية والاقتصادية،
والرهانات المستقبلية
مقدمة
تُعدّ الانتخابات التشريعية محطة أساسية في تطور النظام السياسي المغربي، ليس فقط
لأنها تتيح للمواطنين اختيار ممثليهم داخل مجلس النواب، وإنما لأنها تشكل مدخلاً لتحديد
التوازنات السياسية التي ستؤطر تشكيل الحكومة، ورسم الأولويات الاقتصادية والاجتماعية،
وتحديد طبيعة العلاقة بين الأغلبية والمعارضة، ومدى قدرة الأحزاب على تحويل برامجها
الانتخابية إلى سياسات عمومية قابلة للتنفيذ.
وتكتسب مسألة التحالفات الحكومية أهمية خاصة في المغرب، بالنظر إلى تعدد الأحزاب
السياسية واختلاف مرجعياتها الفكرية وتباين أولوياتها الاقتصادية والاجتماعية، فضلاً
عن طبيعة النظام الدستوري الذي يجمع بين المؤسسات المنتخبة والاختصاصات الدستورية للمؤسسة
الملكية. ولذلك، فإن تشكيل الحكومة لا يرتبط بمجرد الحصول على عدد كافٍ من المقاعد البرلمانية،
بل يتطلب أيضاً التفاوض بشأن توزيع المسؤوليات، والاتفاق على برنامج حكومي مشترك، وإيجاد
الحد الأدنى من الانسجام بين مكونات الأغلبية.
ومن هنا، يطرح موضوع الانتخابات التشريعية والتحالفات الحكومية في المغرب مجموعة
من الأسئلة الجوهرية: إلى أي حد تعكس التحالفات الحكومية الاختيارات السياسية للناخبين؟ وما مدى قدرة
الأحزاب ذات المرجعيات المختلفة على صياغة برنامج حكومي متجانس؟ وكيف يمكن التوفيق
بين الالتزامات الانتخابية للأحزاب والإمكانات المالية للدولة؟ وما الإكراهات التي
قد تحد من تنفيذ الإصلاحات؟ ثم ما الرهانات التي يتعين على المغرب مواجهتها لتعزيز
فعالية المؤسسات المنتخبة، وترسيخ الثقة في العمل السياسي، وتحقيق التنمية الاقتصادية
والعدالة الاجتماعية؟
تقتضي الإجابة عن هذه الأسئلة اعتماد مقاربة تحليلية تجمع بين البعد الدستوري والمؤسساتي،
والبعد الحزبي والانتخابي، والبعد الاقتصادي والاجتماعي، مع التمييز بين المعطيات المؤكدة
والاستنتاجات التحليلية المتعلقة بمستقبل التجربة الحكومية.
ملاحظة منهجية: يتناول هذا المقال الانتخابات التشريعية بالمغرب في سياق الاستحقاقات المرتقبة
سنة 2026، مع الاستناد إلى التجربة الحكومية السابقة لفهم آليات التحالف
والتوافق. ولا ينبغي الخلط بين التحليل الاستشرافي لانتخابات 2026 وبين النتائج الرسمية النهائية
أو التحالفات التي لم يُعلن عنها رسمياً؛ إذ يجب تثبيت هذه المعطيات من مصادرها الرسمية
قبل اعتمادها في دراسة نهائية.
أولاً: نتائج انتخابات 2026 وإعادة تشكيل الخريطة السياسية
المغربية
أُجريت الانتخابات التشريعية المغربية يوم 23 شتنبر 2026، وانتُخب
خلالها أعضاء مجلس النواب البالغ عددهم 395 عضواً. وأظهرت النتائج النهائية
تصدّر حزب الأصالة والمعاصرة، متبوعاً بالتجمع الوطني للأحرار وحزب الاستقلال، مع عودة
ملحوظة لحزب العدالة والتنمية مقارنة بنتائج انتخابات 2021.
وفيما يلي التوزيع النهائي للمقاعد وفق النتائج الرسمية المنشورة:
|
الحزب السياسي |
عدد المقاعد |
|
الأصالة والمعاصرة |
97 |
|
التجمع الوطني للأحرار |
66 |
|
الاستقلال |
65 |
|
العدالة والتنمية |
54 |
|
الحركة الشعبية |
29 |
|
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية |
26 |
|
التقدم والاشتراكية |
19 |
|
الاتحاد الدستوري |
17 |
|
الحركة الديمقراطية الاجتماعية |
8 |
|
تحالف اليسار |
8 |
|
جبهة القوى الديمقراطية |
2 |
|
حزب الإنصاف |
2 |
|
حزب الديمقراطيين الجدد |
1 |
|
حزب الوحدة والديمقراطية |
1 |
|
المجموع |
395 |
المصدر: النتائج النهائية المعلنة رسمياً في 26 شتنبر 2026.
تُبرز هذه النتائج ثلاث ملاحظات أساسية.
الملاحظة الأولى: تصدّر انتخابي من دون أغلبية مطلقة. حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 97
مقعداً، أي إنه أصبح القوة البرلمانية الأولى، لكنه لم يحقق الأغلبية المطلقة التي
تبلغ 198
مقعداً في مجلس يضم 395
عضواً. وهذا يجعل بناء أغلبية حكومية متعددة الأحزاب ضرورة حسابية وسياسية.
الملاحظة الثانية: استمرار أهمية الأحزاب الثلاثة الكبرى في معادلة التحالف. تتيح المقاعد التي حصل عليها
الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال إمكانية بناء أغلبية واسعة إذا
اتفقت هذه الأحزاب على المشاركة في الحكومة. فمجموع مقاعدها يبلغ 228 مقعداً، أي أكثر من الأغلبية
المطلقة بـ30 مقعداً. غير أن هذه الإمكانية الحسابية لا تعني تلقائياً وجود اتفاق سياسي نهائي بينها.
الملاحظة الثالثة: عودة حزب العدالة والتنمية إلى موقع برلماني أكثر حضوراً. فقد ارتفع تمثيله من 13 مقعداً سنة 2021 إلى 54 مقعداً سنة 2026، ما
يعزز حضوره في المعارضة المحتملة ويمنحه قدرة أكبر على مساءلة الحكومة ومناقشة اختياراتها،
دون أن يعني ذلك وحده حسم اتجاهات الرأي العام أو تفسير جميع دوافع التصويت.
وتشير هذه النتائج إلى أن التحدي المركزي لا يتمثل في تحديد الحزب الذي تصدّر الانتخابات
فحسب، بل في كيفية تحويل التمثيل البرلماني المتعدد إلى أغلبية مستقرة، قادرة على اتخاذ
القرارات وتنفيذ الإصلاحات، وفي الوقت نفسه خاضعة للمساءلة أمام البرلمان والرأي العام.
ثانياً: الإطار الدستوري لتشكيل الحكومة
وحدود التفاوض الحزبي
ينص الفصل 47
من دستور المملكة المغربية لسنة 2011
على أن الملك يعيّن رئيس الحكومة من الحزب السياسي الذي تصدّر انتخابات أعضاء مجلس
النواب، وعلى أساس نتائجها، كما يعيّن أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. ويحدد الدستور كذلك كيفية
إعفاء أعضاء الحكومة واستقالتها، واستمرار الحكومة المنتهية ولايتها في تصريف الأمور
الجارية إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة.
المحكمة الدستورية
وتترتب على هذا المقتضى ثلاث نتائج مؤسساتية.
1. الصدارة الانتخابية تمنح أساساً دستورياً لتعيين رئيس الحكومة. لكنها لا تمنح الحزب المتصدر،
في حد ذاتها، أغلبية برلمانية كافية لتمرير جميع مشاريعه أو ممارسة الحكم دون تفاوض
مع بقية الأحزاب.
2. تشكيل الحكومة عملية تفاوضية متعددة المستويات. فهي تشمل الاتفاق على الأحزاب
المشاركة، وعدد الحقائب الوزارية وتوزيعها، وأسماء الوزراء، والأولويات المشتركة، وآليات
تدبير الخلافات داخل الأغلبية.
3. البرنامج الحكومي يمثل حلقة الوصل بين الشرعية الانتخابية والقدرة على الإنجاز. إذ ينبغي أن تتحول التفاهمات
الحزبية إلى التزامات قابلة للقياس والتنفيذ، لا أن تظل مجرد إعلان سياسي عن التعاون.
وفي هذا السياق، عيّن الملك محمد السادس فاطمة الزهراء المنصوري، المنتمية إلى
حزب الأصالة والمعاصرة، رئيسةً للحكومة في 29 شتنبر 2026، لتتولى
مهمة تشكيل الحكومة الجديدة بعد الانتخابات.
وبذلك دخل المغرب مرحلة جديدة من المفاوضات الحكومية، أصبح فيها الحزب المتصدر
مطالباً بالجمع بين إدارة التفاوض السياسي والمحافظة على وضوح البرنامج الحكومي. كما أن تعيين رئيسة للحكومة
من الحزب الأول لا يحسم وحده طبيعة التحالف النهائي، ولا يضمن مسبقاً درجة الانسجام
بين مكوناته.
ثالثاً: التحالفات الحكومية المحتملة
ومنطق بناء الأغلبية
تُفهم التحالفات الحكومية في المغرب من خلال تفاعل ثلاثة عناصر: الحسابات العددية داخل البرلمان،
والتقارب أو الاختلاف بين البرامج الحزبية، وتوزيع المسؤوليات بما يحافظ على استقرار
الأغلبية.
1. التحالف بين الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال
يمثل هذا السيناريو امتداداً محتملاً للتعاون الذي جمع الأحزاب الثلاثة في الحكومة
السابقة، لكنه يفرض إعادة التفاوض بشأن القيادة السياسية للحكومة وتوزيع الحقائب والأولويات،
في ضوء تغير ترتيب الأحزاب في الانتخابات.
وتبلغ حصيلة هذه الأحزاب مجتمعة 228
مقعداً، ما يوفر أغلبية برلمانية حسابية مريحة نسبياً. غير أن استدامة التحالف تظل
مرتبطة بقدرة مكوناته على الاتفاق على برنامج مشترك، وتجنب تحول التنافس على القطاعات
الوزارية إلى صراع على النفوذ السياسي.
وقد يتيح هذا الخيار استمرارية في بعض السياسات العمومية والمشاريع الاستثمارية،
لكنه يستلزم أيضاً مراجعة الالتزامات السابقة على ضوء المطالب الاجتماعية والانتخابية
الجديدة.
2. توسيع الأغلبية لتشمل أحزاباً إضافية
يمكن لرئيسة الحكومة المعيّنة أن تسعى إلى إشراك أحزاب أخرى، مثل الحركة الشعبية
أو الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أو الاتحاد الدستوري، بحسب نتائج المفاوضات والتوافقات
السياسية.
ويُحتمل أن يؤدي توسيع الأغلبية إلى زيادة قاعدة الدعم البرلماني وتخفيف مخاطر
الانقسام عند مناقشة القوانين والميزانية. إلا أن كثرة الشركاء قد تزيد
من تعقيد التنسيق الحكومي، خصوصاً إذا لم تُحدّد بدقة اختصاصات كل قطاع وزاري والتزامات
كل حزب.
ومن المهم التمييز بين الانضمام إلى الحكومة، وتقديم دعم برلماني من خارجها، واختيار
المعارضة؛ فلكل وضع آثار مختلفة على المسؤولية السياسية وعلى كيفية احتساب الأغلبية
عند التصويت.
3. التحالفات القائمة على التوافق البرنامجي
هناك تصور آخر يقوم على عدم الاكتفاء باستنساخ التحالفات السابقة، بل بناء أغلبية
على أساس اتفاق واضح بشأن عدد محدود من الأولويات الوطنية، مثل التشغيل والصحة والتعليم
والحماية الاجتماعية والاستثمار.
ويتميز هذا التصور بأنه ينقل النقاش من مجرد توزيع المناصب إلى تحديد ما ستلتزم
الحكومة بإنجازه. غير أن تطبيقه يتطلب تنازلات متبادلة، خصوصاً عندما تختلف الأحزاب حول دور الدولة
في الاقتصاد، أو مستوى الإنفاق الاجتماعي، أو طريقة تمويل الإصلاحات.
4. وضع المعارضة في المعادلة الحكومية
لا تُقاس أهمية المعارضة بعدد المقاعد فقط، بل بقدرتها على مراقبة العمل الحكومي،
وتقديم بدائل، ومناقشة مشاريع القوانين والميزانية، وطرح الأسئلة التي تعكس مطالب المواطنين.
وتتيح عودة العدالة والتنمية إلى 54
مقعداً، إلى جانب وجود الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية وأحزاب أخرى خارج
الأغلبية، إمكانية تعدد الأصوات المعارضة. لكن فعالية هذه المعارضة
ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على التنسيق في الملفات المشتركة، مع الاحتفاظ بالاختلافات
الفكرية والسياسية المشروعة.
5. ما الذي تكشفه المشاورات الجارية؟
بحسب المستجدات المنشورة في 11
أكتوبر 2026، لا تزال مشاورات تشكيل الحكومة موضوع تفاوض؛ فقد أفادت
تغطية صحفية بأن موقف الحركة الشعبية لم يكن قد حُسم بعد، وأن الاتحاد الدستوري اتجه
إلى البقاء خارج الحكومة مع تقديم دعم نقدي لها، بينما كان حزب التقدم والاشتراكية
يدرس مسار مشاركته. وتبقى هذه المواقف قابلة للتغير إلى حين صدور إعلانات رسمية نهائية.
+1وهذا يعني أن التحليل الدقيق للتحالفات ينبغي ألا يتعامل مع السيناريوهات السابقة
بوصفها اتفاقات محسومة، بل بوصفها احتمالات تفاوضية تختلف في تكلفتها السياسية وقدرتها
على تحقيق الاستقرار والانسجام.
رابعاً: مدى تجانس البرامج الحكومية
بين الأحزاب المغربية
يُعدّ تجانس البرامج الحكومية من أهم الشروط التي تحدد قدرة الائتلاف الحكومي على
الاستمرار وتحقيق نتائج ملموسة. فالأحزاب تدخل الانتخابات ببرامج خاصة، وتسعى إلى إقناع الناخبين بقدرتها على معالجة
المشكلات الاقتصادية والاجتماعية، لكن مشاركتها في حكومة ائتلافية تفرض عليها الانتقال
من البرنامج الحزبي المنفرد إلى برنامج مشترك يستوعب اختلافاتها.
وتكمن الإشكالية في أن الاتفاق على المشاركة في الحكومة لا يعني بالضرورة الاتفاق
على جميع السياسات العمومية. فقد تتفق الأحزاب على ضرورة رفع النمو الاقتصادي، لكنها تختلف بشأن كيفية توزيع
ثمار هذا النمو؛ وقد تتفق على إصلاح التعليم، لكنها تختلف حول التمويل، وتدبير المؤسسات،
وأدوار القطاعين العام والخاص.
1. الاختلافات في المرجعيات الاقتصادية والاجتماعية
يمكن تحليل مواقف الأحزاب المغربية وفق محاور سياسية وبرنامجية، مع الانتباه إلى
أن هذه المقارنة تمثل قراءة عامة للاتجاهات الفكرية وليست بديلاً عن فحص البرامج الرسمية
لكل حزب في انتخابات 2026.
حزب الأصالة والمعاصرة
يواجه، باعتباره الحزب المتصدر للانتخابات، مسؤولية تحويل برنامجه الانتخابي إلى
برنامج حكومي قابل للتنفيذ. ويتمثل التحدي في الجمع بين الاستثمار والنمو الاقتصادي من جهة، والاستجابة للمطالب
الاجتماعية وتحسين جودة الخدمات العمومية من جهة أخرى.
حزب التجمع الوطني للأحرار
يبرز في تحليل توجهاته الاهتمام بالمقاولة والاستثمار وتحفيز النشاط الاقتصادي. ويطرح ذلك سؤال كيفية تحويل
النمو والاستثمار إلى فرص شغل مستقرة، وتحسين القدرة الشرائية، وتوسيع استفادة الفئات
الاجتماعية من التنمية.
حزب الاستقلال
يتيح حضوره في التحالفات الحكومية طرح قضايا العدالة الاجتماعية والتنمية الترابية
وتقليص الفوارق. ويتمثل التحدي في ترجمة هذه الأولويات إلى تدابير مالية ومؤسساتية محددة، تتوافق
مع الالتزامات الاقتصادية العامة للحكومة.
حزب العدالة والتنمية
يعيد حصول الحزب على 54
مقعداً طرح دوره في المعارضة، ومدى قدرته على مراقبة السياسات الاجتماعية والاقتصادية
ومساءلة الحكومة بشأن القدرة الشرائية والتشغيل والحكامة، مع تقديم بدائل عملية قابلة
للنقاش.
الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية وحزب التقدم والاشتراكية
تتيح مرجعيتهما اليسارية والاجتماعية التركيز على دور الدولة في الحماية الاجتماعية
والخدمات العمومية وتقليص التفاوتات. ويظل السؤال الأساسي هو مدى توافق هذه الأولويات مع توجهات الأحزاب الأخرى بشأن
الاستثمار والإنفاق العمومي.
وتوضح هذه المقارنة أن الخلافات الحزبية لا تمنع بالضرورة تشكيل حكومة متماسكة؛
إذ يمكن للأحزاب أن تتفق على أهداف مشتركة مع احتفاظ كل منها بمرجعيته الفكرية. لكن نجاح هذا التوافق يتوقف
على وجود أولويات محددة، وموارد مالية كافية، وآليات واضحة للتنسيق والمحاسبة.
2. التوافق حول النموذج الاقتصادي
يتمثل أحد الاختبارات الأساسية للحكومة المقبلة في تحديد العلاقة بين الاستثمار
الخاص والتدخل العمومي.
فمن جهة، يحتاج المغرب إلى تشجيع الاستثمار المنتج، وتحسين مناخ الأعمال، ودعم
المقاولات الصغيرة والمتوسطة، ورفع الإنتاجية. ومن جهة أخرى، تفرض التفاوتات
الاجتماعية والمجالية ضرورة استمرار الاستثمار في التعليم والصحة والنقل والسكن والحماية
الاجتماعية.
وقد تنشأ الخلافات عندما تتعلق القرارات بتحديد أولويات الإنفاق، أو توجيه الدعم،
أو إصلاح المؤسسات العمومية، أو توزيع الأعباء الضريبية.
لذلك، لا يكفي أن ينص البرنامج الحكومي على تحقيق النمو؛ بل يجب أن يحدد كيفية
تحقيقه، والقطاعات التي ستقوده، وعدد فرص الشغل المتوقع إحداثها، والآليات التي ستضمن
توزيع ثماره بصورة أكثر إنصافاً.
3. التوافق حول الدولة الاجتماعية
أصبحت الدولة الاجتماعية أحد المحاور الأساسية للنقاش العمومي بالمغرب، بالنظر
إلى أهمية تعميم الحماية الاجتماعية وتحسين الولوج إلى الخدمات الأساسية.
غير أن التوافق حول هذا الهدف العام لا يلغي الأسئلة التنفيذية، ومنها:
· كيف يمكن تحسين جودة المستشفيات والمدارس، وليس فقط توسيع الولوج إليها؟
· كيف يمكن ضمان استدامة تمويل الحماية الاجتماعية؟
· كيف يمكن توجيه الدعم إلى المستحقين، مع الحد من الهدر وسوء الاستهداف؟
· كيف يمكن تقليص الفوارق بين المدن والمناطق القروية والجبلية؟
· كيف يمكن ربط الإصلاح الاجتماعي بتوسيع فرص العمل ورفع الدخل؟
ومن ثم، فإن اختبار التجانس الحكومي لن يكون في تبني خطاب مشترك حول العدالة الاجتماعية،
بل في قدرة الأحزاب على الاتفاق على وسائل عملية لتحقيقها، مع تحديد المسؤوليات والميزانيات
والآجال.
4. التوافق حول الإصلاح الإداري والحكامة
تتطلب السياسات العمومية جهازاً إدارياً قادراً على التنفيذ، ومؤسسات تخضع للمراقبة
والتقييم. وإذا انحصر التفاوض الحكومي في توزيع القطاعات الوزارية، دون الاتفاق على مؤشرات
الأداء وآليات المحاسبة، فقد تتشتت المسؤولية بين الشركاء.
ولهذا ينبغي أن يتضمن البرنامج الحكومي قواعد واضحة بشأن:
· التنسيق بين الوزارات المتداخلة الاختصاصات.
· نشر مؤشرات دورية عن تقدم تنفيذ المشاريع.
· تقييم أثر البرامج الحكومية على المواطنين.
· ربط المسؤولية بالنتائج، وفق القواعد القانونية والمؤسساتية.
· ضمان استمرارية السياسات العمومية عند حدوث تغييرات وزارية.
والخلاصة هنا أن التجانس الحكومي لا يعني تطابق الأحزاب فكرياً، وإنما يعني قدرتها
على الاتفاق على قواعد مشتركة لاتخاذ القرار، وتسوية الخلافات، وتحمل المسؤولية عن
النتائج.
خامساً: الإكراهات الاقتصادية التي
ستواجه الحكومة المقبلة
إن تشكيل حكومة بأغلبية برلمانية لا يضمن تلقائياً قدرتها على معالجة الاختلالات
الاقتصادية. فنجاح البرنامج الحكومي يرتبط بظروف الاقتصاد الوطني، والموارد المالية المتاحة،
والتطورات الدولية، ومدى قدرة المؤسسات على تنفيذ المشاريع.
1. البطالة والتشغيل
يشكل إحداث فرص عمل مستقرة، خصوصاً للشباب، أحد أبرز الاختبارات الاجتماعية. ولا يكفي الاعتماد على نمو
الناتج الداخلي إذا لم يواكبه خلق مناصب شغل منتجة وتحسين جودة العمل والأجور.
ويتطلب ذلك ربط التكوين بحاجيات سوق الشغل، ودعم المقاولات، وتشجيع الاستثمار في
القطاعات القادرة على خلق فرص العمل.
2. القدرة الشرائية وغلاء المعيشة
يمثل ارتفاع تكاليف السكن والغذاء والنقل والخدمات ضغطاً على الأسر، خصوصاً ذات
الدخل المحدود والمتوسط. وتحتاج الحكومة إلى التمييز بين التدابير قصيرة الأجل لحماية الفئات المتضررة،
والسياسات طويلة الأجل التي تعزز المنافسة والإنتاجية وتخفض تكاليف الإنتاج والتوزيع.
3. الإجهاد المائي والتغيرات المناخية
يؤثر نقص المياه وتقلب التساقطات في الزراعة والأمن الغذائي والتشغيل القروي. وتقتضي مواجهته مواصلة الاستثمار
في البنية المائية، وترشيد الاستهلاك، وتطوير الري الفعال، وحماية الموارد الجوفية،
مع مراعاة الكلفة المالية والبيئية لكل خيار.
4. الإنتاجية والتنافسية الاقتصادية
يحتاج المغرب إلى توسيع القيمة المضافة المحلية، وتحسين إدماج المقاولات الصغيرة
في سلاسل الإنتاج، وتعزيز الابتكار والتكوين المهني. ويظل الرهان هو الانتقال
من استقطاب الاستثمار فقط إلى ضمان مساهمته في نقل التكنولوجيا، ورفع الأجور، وتطوير
الكفاءات.
5. التوفيق بين الاستثمارات الكبرى والحاجيات الاجتماعية
تتيح مشاريع البنية التحتية والنقل والطاقة والتهيئة فرصاً اقتصادية، لكنها تتطلب
تمويلاً وتدبيراً محكماً. ويتمثل التحدي في تعظيم أثرها على الاقتصاد المحلي والتشغيل، دون إضعاف تمويل الصحة
والتعليم والخدمات الأساسية.
وتتقاطع هذه الإكراهات مع بعضها بعضاً؛ فضعف التشغيل يؤثر في القدرة الشرائية،
والإجهاد المائي يضغط على الفلاحة والأسعار، وضعف جودة التكوين يحد من استفادة الشباب
من الاستثمارات الجديدة. ولهذا، فإن المعالجة القطاعية المنفصلة قد لا تكون كافية، بل ينبغي اعتماد سياسة
اقتصادية واجتماعية متكاملة.
سادساً: الإكراهات السياسية والمؤسساتية
أمام الأغلبية الجديدة
1. التنافس بين مكونات التحالف
قد تدخل الأحزاب الحكومة وهي متفقة على برنامج عام، لكنها تظل متنافسة انتخابياً
على إثبات أنها الأكثر تأثيراً في القرارات الحكومية. وقد يدفع هذا التنافس بعض
المكونات إلى تقديم مصالحها الحزبية المباشرة على الانضباط للبرنامج المشترك.
ويصبح هذا الإشكال أكثر وضوحاً عندما تتعلق الخلافات بقطاعات ذات أهمية اجتماعية
كبيرة، أو بقرارات قد تفرض تكاليف على فئات معينة، أو بإصلاحات تتطلب تنازلات سياسية.
وتتطلب مواجهة ذلك اعتماد ميثاق للأغلبية يحدد قواعد اتخاذ القرار، وآليات التشاور
قبل إعلان المواقف، وكيفية تسوية الخلافات، والحد الأدنى من الالتزام بالبرنامج الحكومي.
2. توزيع الحقائب الوزارية ومسؤولية الإنجاز
يمثل توزيع الحقائب الوزارية أحد أكثر مراحل التفاوض حساسية. فالأحزاب تسعى إلى المشاركة
في القطاعات التي تتوافق مع أولوياتها أو تمنحها قدرة على تنفيذ وعودها الانتخابية.
لكن كثرة التغييرات أو ضعف الانسجام بين المسؤوليات الوزارية قد يؤديان إلى صعوبة
تحديد الجهة المسؤولة عن تعثر مشروع معين. ولهذا ينبغي أن يُبنى توزيع
المسؤوليات على الكفاءة والخبرة والقدرة على التنفيذ، إلى جانب مراعاة التوازنات السياسية.
كما يتعين تجنب اختزال المشاركة الحكومية في عدد الوزراء أو حجم الحقائب، لأن القيمة
الحقيقية لأي منصب تتحدد بمدى وضوح اختصاصاته وقدرته على تحقيق نتائج ملموسة.
3. العلاقة بين الحكومة والبرلمان
لا تُقاس قوة الحكومة بمجرد امتلاكها أغلبية عددية، بل بقدرتها على المحافظة على
تماسكها عند التصويت على مشاريع القوانين والميزانية، والتفاعل مع الأسئلة البرلمانية،
وتقديم المعطيات اللازمة للرقابة.
وفي المقابل، ينبغي أن تتمكن المعارضة من أداء دورها دون تحويل الخلاف السياسي
إلى تعطيل دائم للعمل التشريعي. فالتنافس البرلماني المنظم يسمح بتصحيح الاختيارات الحكومية، ويمنح المواطنين بدائل
واضحة.
ويكمن التحدي في بناء علاقة مؤسساتية تجمع بين فعالية الأغلبية وحقوق المعارضة،
مع احترام الاختصاصات الدستورية لكل مؤسسة.
4. المشاركة السياسية والثقة العامة
أفادت النتائج المنشورة عن انتخابات 2026 بأن نسبة المشاركة بلغت نحو
38% من المسجلين، مقابل نحو 50% سنة 2021، وفق
المعطيات الواردة في التغطيات المنشورة. ويجعل هذا التراجع مسألة الثقة والمشاركة من القضايا التي تستحق دراسة معمقة، دون
افتراض أن انخفاض المشاركة يعود إلى سبب واحد أو أنه يعبر عن موقف موحد لدى جميع الممتنعين
عن التصويت.
وتتوقف استعادة الثقة على عوامل متعددة، منها مدى تنفيذ الوعود الانتخابية، ووضوح
القرارات الحكومية، وفعالية محاربة الفساد، وتحسين الخدمات العمومية، وتوفير فرص مشاركة
حقيقية للشباب والنساء.
فإذا لمس المواطنون تحسناً ملموساً في حياتهم اليومية، قد تتعزز قناعتهم بجدوى
المشاركة السياسية. أما إذا اتسعت الفجوة بين الوعود والنتائج، فقد يتعمق الشعور بالمسافة بين المؤسسات
والناخبين.
سابعاً: الرهانات المستقبلية للمغرب
في أفق 2030
تواجه الحكومة المقبلة استحقاقات تتجاوز التدبير اليومي للقطاعات الوزارية، إذ
يتعين عليها الجمع بين متطلبات التنمية طويلة الأجل والاستجابة الفورية للضغوط الاجتماعية.
الرهان الأول: جعل الشباب محور السياسات
العمومية
لا يتعلق الأمر فقط بتشغيل الشباب، بل بتطوير جودة التعليم والتكوين، وتحسين فرص
الاندماج المهني، وتوسيع المبادرات المقاولاتية، وتعزيز المشاركة المدنية والسياسية. ويحتاج ذلك إلى برامج قابلة
للتقييم، لا إلى مبادرات متفرقة قصيرة الأجل.
الرهان الثاني: تحسين الصحة والتعليم
يتطلب إصلاح هذين القطاعين معالجة الموارد البشرية، وجودة الخدمات، والتوزيع المجالي
للمؤسسات، والتجهيزات، والحكامة. ولا ينبغي قياس التقدم بالإنفاق أو عدد المنشآت وحدهما، بل أيضاً بمدى تحسن تجربة
المواطن وجودة النتائج.
الرهان الثالث: الانتقال الطاقي والتنمية
المستدامة
يتيح تطوير الطاقات المتجددة فرصة لتقوية الأمن الطاقي وجذب الاستثمارات، لكنه
يتطلب كذلك تحديث الشبكات، وتطوير التخزين، ورفع الكفاءة الطاقية، وضمان استفادة المقاولات
والمجتمعات المحلية من التحول.
الرهان الرابع: تعزيز موقع المغرب الاقتصادي
إقليمياً ودولياً
يمكن للبنية التحتية والموانئ والصناعة والطاقات المتجددة أن تدعم تنافسية المغرب،
لكن تحويل ذلك إلى تنمية واسعة يتطلب رفع الإنتاجية، وتنويع الصادرات، وتطوير المهارات،
وتعزيز اندماج المقاولات الوطنية في سلاسل القيمة.
الرهان الخامس: تقليص الفوارق المجالية
لا يمكن أن يقتصر قياس التنمية على المؤشرات الوطنية العامة؛ بل ينبغي رصد الفوارق
في فرص الشغل والدخل والصحة والتعليم والنقل والماء بين الجهات والأقاليم. ويتطلب ذلك تمكين الجماعات
الترابية من أدوات التخطيط والتمويل والتقييم.
كأس العالم 2030: فرصة اقتصادية واختبار للحكامة
يمنح تنظيم كأس العالم 2030
بشراكة مع إسبانيا والبرتغال المغرب فرصة لتطوير البنية التحتية الرياضية والنقل
والفنادق والمطارات والخدمات السياحية. لكن هذه الفرصة تطرح أسئلة بشأن ترتيب الأولويات، وتوزيع المنافع، وكلفة الاستثمار،
واستدامة المنشآت بعد انتهاء المنافسة.
وتتمثل المسألة الأساسية في كيفية تحويل الاستثمارات المرتبطة بهذا الحدث إلى مكاسب
اقتصادية واجتماعية دائمة، من خلال خلق فرص شغل، وتطوير المقاولات المحلية، وتحسين
النقل والخدمات، وتوسيع الاستفادة من السياحة والاستثمار.
وفي هذا السياق، سيكون على الحكومة المقبلة توضيح مصادر التمويل، وتقدير التكاليف
على المدى الطويل، ونشر مؤشرات الإنجاز، وضمان ألا يؤدي التركيز على المشاريع الكبرى
إلى إهمال الحاجيات الاجتماعية اليومية.
ثامناً: كيف يمكن بناء برنامج حكومي
متجانس وقابل للتنفيذ؟
لتجاوز التناقضات المحتملة بين البرامج الحزبية، يمكن للحكومة الجديدة اعتماد منهجية
تقوم على تحويل الاتفاق السياسي إلى التزامات تنفيذية واضحة.
المرحلة الأولى: تحديد الأولويات الوطنية
الاتفاق على مجموعة محدودة من الأولويات المشتركة، تشمل التشغيل، والصحة، والتعليم،
والحماية الاجتماعية، والماء، والاستثمار، وتقليص الفوارق المجالية.
المرحلة الثانية: ربط الوعود بالموارد
إخضاع الالتزامات لدراسة مالية تحدد كلفتها، ومصادر تمويلها، وتأثيرها المتوقع
على الميزانية، والآثار الاجتماعية والاقتصادية المحتملة.
المرحلة الثالثة: تحديد مؤشرات زمنية للإنجاز
تقسيم البرنامج إلى أهداف سنوية ومتوسطة الأجل، مع تحديد الجهة المسؤولة عن كل
هدف، ومؤشرات قياس النتائج، وآليات تصحيح الاختلالات.
المرحلة الرابعة: إدارة الخلافات داخل الأغلبية
إنشاء آلية منتظمة للتنسيق بين مكونات الحكومة والأغلبية البرلمانية، بما يسمح
بتسوية الخلافات قبل تحولها إلى أزمات سياسية أو تعطيل للقرارات.
المرحلة الخامسة: التقييم والمساءلة
نشر تقارير دورية حول تنفيذ البرنامج الحكومي، مع بيان ما تحقق وما تعثر وأسباب
التعثر، وإتاحة المعلومات للبرلمان والرأي العام وفق القواعد القانونية المعمول بها.
وتكتسب هذه المنهجية أهمية خاصة في الحكومات الائتلافية؛ لأنها تقلل من احتمالات
التناقض بين الوزارات، وتساعد على توزيع المسؤولية بصورة أوضح، وتسمح بالتمييز بين
التعثر الناتج عن ضعف التنفيذ والتعثر المرتبط بنقص التمويل أو بتغير الظروف الاقتصادية.
تاسعاً: السيناريوهات السياسية والحكومية
للمرحلة المقبلة
استناداً إلى الخريطة البرلمانية وواقع المفاوضات، يمكن تصور ثلاثة مسارات تحليلية،
من دون اعتبار أي منها نتيجة مؤكدة مسبقاً.
|
السيناريو |
السمات الرئيسية |
التحدي الأساسي |
|
أغلبية ثلاثية |
تعاون الأصالة والمعاصرة والتجمع الوطني للأحرار والاستقلال |
الحفاظ على التوازن بين الشركاء والاتفاق على الأولويات |
|
أغلبية موسعة |
ضم أحزاب إضافية إلى الائتلاف |
تنسيق المواقف وتوزيع المسؤوليات وتجنب تضخم التفاوض |
|
أغلبية أقل اتساعاً مع دعم برلماني خارجي |
حكومة محدودة الشركاء تعتمد على التفاهمات مع أحزاب خارجها
في بعض القضايا |
ضمان استقرار التصويت على الميزانية والتشريعات الأساسية |
لا يتوقف تقييم هذه السيناريوهات على حجم الأغلبية فقط. فقد تكون الأغلبية العددية
الواسعة عرضة للخلاف الداخلي، في حين تستطيع أغلبية أصغر وأكثر وضوحاً في برنامجها
تحقيق تنسيق أفضل. وفي المقابل، قد تمنح مشاركة أحزاب إضافية قاعدة دعم أوسع، لكنها قد تزيد من صعوبة
التوفيق بين المطالب الحزبية.
ولهذا ينبغي تقييم أي صيغة حكومية وفق معايير مؤسساتية واضحة: الاستقرار، والانسجام البرنامجي،
والقدرة على التنفيذ، والشفافية، والقدرة على الاستجابة للحاجيات الاجتماعية.
عاشراً: التوصيات الأساسية لإنجاح
التجربة الحكومية الجديدة
يمكن استخلاص مجموعة من التوصيات التي تساعد على تعزيز فعالية الحكومة المقبلة:
1. إعطاء الأولوية للبرنامج المشترك على حساب المحاصصة الحزبية. ينبغي أن يكون الاتفاق على
الأهداف والنتائج سابقاً على التفاوض النهائي بشأن توزيع المناصب.
2. اعتماد أهداف قابلة للقياس. من الضروري أن يتضمن البرنامج الحكومي مؤشرات واضحة للتشغيل وجودة التعليم والصحة
وتقليص الفوارق المجالية، مع آجال محددة للتنفيذ.
3. ضمان الانسجام بين السياسات الاقتصادية والاجتماعية. يجب أن تُدرس آثار القرارات
الاقتصادية على الأسر والمقاولات والتشغيل، وأن تتكامل سياسات الاستثمار مع الحماية
الاجتماعية.
4. تعزيز التنسيق بين القطاعات الوزارية. تحتاج الملفات المشتركة،
مثل الماء والتشغيل والتنمية القروية، إلى تعاون مؤسساتي يتجاوز حدود كل وزارة.
5. تطوير آليات الحوار الاجتماعي. إن إشراك النقابات والاتحادات المهنية والفاعلين الاقتصاديين والمجتمع المدني يمكن
أن يساعد على فهم آثار الإصلاحات وتقليل التوترات الاجتماعية.
6. تقوية دور البرلمان في الرقابة. ينبغي توفير المعلومات الضرورية للنواب، وتحسين جودة المناقشة التشريعية، واحترام
دور المعارضة في مساءلة الحكومة.
7. ربط التقييم بالنتائج الفعلية. لا يكفي الإعلان عن المشاريع أو حجم الاعتمادات المالية؛ بل يجب قياس أثرها على
حياة المواطنين ومدى استدامة نتائجها.
8. توسيع مشاركة الشباب والنساء في النقاش العمومي. تقتضي معالجة أزمة الثقة
فتح قنوات فعلية للتشاور، وتحسين التواصل بشأن السياسات العمومية، وإظهار العلاقة بين
القرارات الحكومية والحاجيات اليومية.
خاتمة: بين شرعية الانتخابات وضرورة
الإنجاز
تؤكد انتخابات 2026
أن تشكيل الحكومة بالمغرب عملية تتجاوز مجرد جمع المقاعد البرلمانية. فتصدر حزب الأصالة والمعاصرة
للنتائج، إلى جانب الوزن الانتخابي للتجمع الوطني للأحرار والاستقلال، يفتح المجال
أمام صيغ متعددة للأغلبية، لكنه يفرض في الوقت ذاته التفاوض بشأن القيادة السياسية
للحكومة، وتوزيع المسؤوليات، وتحديد الأولويات المشتركة.
كما أن اختلاف المرجعيات الاقتصادية والاجتماعية بين الأحزاب لا يشكل، في حد ذاته،
عائقاً أمام العمل الحكومي المشترك؛ إذ تستطيع الأحزاب المتباينة أن تتوافق على برنامج
واقعي إذا وضحت أهدافها، واتفق شركاؤها على آليات اتخاذ القرار، والتزموا بمبدأ المسؤولية
الجماعية.
لكن التحدي الأكبر يكمن في الانتقال من التوافق السياسي إلى الإنجاز الملموس. فالمواطن لا يقيس فعالية
الحكومة بعدد الأحزاب المشاركة فيها، ولا بحجم الأغلبية البرلمانية التي تستند إليها
فقط، بل بمدى قدرتها على تحسين فرص الشغل، والحد من آثار غلاء المعيشة، وتطوير الصحة
والتعليم، وضمان عدالة مجالية أوسع، وتدبير الموارد العامة بشفافية.
وفي ظل هذه المعطيات، يمكن القول إن الرهان المركزي للحكومة المغربية الجديدة هو
بناء أغلبية سياسية متماسكة حول برنامج اقتصادي واجتماعي قابل للتنفيذ، مع ضمان الرقابة
البرلمانية والمساءلة العمومية. فنجاح التحالف الحكومي لا يتحدد فقط بقدرته على الاستمرار، بل أيضاً بقدرته على
الاستجابة لتطلعات المواطنين وتحويل الالتزامات الانتخابية إلى نتائج قابلة للقياس.
وسيكون أفق 2030، بما يحمله من رهانات اقتصادية وتنموية واستحقاقات دولية،
اختباراً مهماً لمدى قدرة الحكومة على الجمع بين الاستثمار طويل الأجل وتحسين الخدمات
اليومية. أما استدامة التجربة الديمقراطية، فستظل مرتبطة بوضوح المسؤوليات، وفعالية المؤسسات،
وجودة السياسات العمومية، ومدى شعور المواطن بأن المشاركة السياسية تتيح له التأثير
في الخيارات التي تحدد مستقبله.

